The post الاحتياطي النقدي يسجّل أعلى مستوى له.. مع تراجع طفيف في التضخم appeared first on أصوات أونلاين.
]]>عند النظر إلى التضخم الأساسي نرى ارتفاع المعدل الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبا، إلى 14.9% في أغسطس مقابل 14.7% في يوليو.
وهذا الفارق مهم؛ لأن انخفاض التضخم العام قد يكون مدفوعا بعوامل مؤقتة، خصوصا أسعار الغذاء، بينما يكشف التضخم الأساسي بدرجة أكبر عن استمرار الضغوط الكامنة داخل الاقتصاد. ما يعني أن مصر لم تصل بعد إلى مرحلة استقرار الأسعار، وإنما دخلت مرحلة انحسار تدريجي للتضخم بعد موجة تضخمية شديدة.
ويتوقع البنك المركزي المصري أن تبلغ موجة التضخم ذروتها خلال الربع الثالث من العام الجاري، قبل أن يبدأ المعدل في الانخفاض تدريجيا إلى خانة الآحاد خلال النصف الثاني من 2027، مع استهداف متوسط تضخم يبلغ نحو 7% على المدى المستهدف، في نطاق زائد أو ناقص نقطتين مئويتين.
كما سجل صافي الاحتياطيات الدولية لمصر 57.2145 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، مقابل 56.2939 مليار دولار في نهاية يوليو، بزيادة قدرها نحو 921 مليون دولار خلال شهر واحد. ويؤكد البنك المركزي أن الرقم بنهاية أغسطس ما زال مبدئيا. كان الاحتياطي النقدي قد سجّل أدنى مستوى له في 2022، عندما بلغ الاحتياطي نحو 33.1 مليار دولار. وبذلك زاد صافي الاحتياطيات بأكثر من 24 مليار دولار، أو بنحو 73% تقريبا، ترجع الزيادة إلى ارتفاع قيمة الذهب داخل الاحتياطي خلال أغسطس بنحو 1.92 مليار دولار لتصل إلى 19.06 مليار دولار، مع زيادة حيازات البنك المركزي بنحو 8 آلاف أونصة إلى نحو 4.17 مليون أونصة. وفي المقابل، تراجع رصيد العملات الأجنبية بنحو 1.16 مليار دولار إلى 37.55 مليار دولار، بينما ارتفعت حقوق السحب الخاصة بنحو 160 مليون دولار إلى 606 ملايين دولار.
وارتفعت إيرادات قناة السويس في يوليو إلى نحو 505 ملايين دولار، بزيادة قدرها 42% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وهو أعلى مستوى شهري منذ ديسمبر 2023. عبرت القناة خلال يوليو 1340 سفينة، بزيادة 27% عن يوليو 2025، ومقابل 1208 سفن في يونيو. وبلغ عدد ناقلات النفط 526 سفينة، مقابل 485 في الشهر السابق.
كانت قناة السويس قد حققت إيرادات قياسية بلغت 10.2 مليارات دولار في 2023، بينما تتوقع هيئة القناة أن تتراوح إيرادات عام 2026 بين 5.8 و6 مليارات دولار. وهذا يعني أن القناة لم تستعد بعد قدرتها السابقة على توفير العملة الصعبة.
وتشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي للسنة المالية 2025/2026 إلى أن واردات السلع تبلغ نحو 93.9 مليار دولار، مقابل صادرات سلع تبلغ نحو 39.9 مليار دولار، أي عجز تجاري في السلع يقارب 54 مليار دولار.
ويقدّر الصندوق احتياجات مصر للتمويل الخارجي في السنة المالية الحالية بنحو 30 مليار دولار، ويتضمن ذلك احتياجات الحساب الجاري، وأقساط الديون متوسطة وطويلة الأجل، واستحقاقات السندات، ومدفوعات صندوق النقد. ويُظهر جدول الصندوق أن أقساط سداد أصل القروض متوسطة وطويلة الأجل تبلغ نحو 8 مليارات دولار. إلى جانب نحو 1.8 مليار دولار مدفوعات لصندوق النقد واستحقاقات أخرى للسندات.
المعطيات السابقة تؤكد أن الحل الجذري للأزمة الاقتصادية، ما زال بعيدا طالما بقي الاقتصاد غير قادر على توليد النقد الأجنبي بمعدل يقترب من احتياجاته. وهذا يعني أن المعركة الحقيقية لم تعد معركة الاحتياطي وحده، وإنما معركة الإنتاج والتصدير والاستثمار والكفاءة.. والرؤية السياسية التي تستطيع إيجاد البدائل الناجعة؛ مع إمكانية تنفيذها.
The post الاحتياطي النقدي يسجّل أعلى مستوى له.. مع تراجع طفيف في التضخم appeared first on أصوات أونلاين.
]]>The post هل بدأت لندن مراجعة علاقتها بدولة الاحتلال.. بوصول بيرنَم إلى داوننغ ستريت؟ appeared first on أصوات أونلاين.
]]>تولى بيرنَم رئاسة الوزراء خلفا لكير ستارمر، بعد انتخابه زعيما لحزب العمال. وكان انتقاله إلى داوننغ ستريت انتقالا يحمل معه تجربة سياسية مختلفة: تجربة عمدة مانشستر الكبرى، والخطاب الذي يركز على الأقاليم والطبقة العاملة والخدمات العامة، ونقل السلطة من لندن إلى المناطق. لكن الاختبار الأكثر إثارة لم يكن اقتصاديا ولا داخليا، بل كان الموقف من القضية الفلسطينية.
حافظ ستارمر -رغم بعض التحولات المتأخرة- على قدر كبير من الحذر في التعامل مع دولة الاحتلال. وبدا منحازا في كثير من المواقف.. أما بيرنَم فجاء إلى السلطة وفي جعبته تاريخ سياسي، يجعل من الصعوبة بمكان، أن يحذو حذو سلفه.. فمساندة الضعيف والانتصار للمظلوم ومواجهة الظلم، ومساءلة المؤسسات- جزء أساسي من صورته السياسية.
ومن هذه الخلفية يمكن فهم مواقفه الحالية من القضية الفلسطينية؛ فالرجل الذي خاض معركة طويلة من أجل كشف مسئولية المؤسسات البريطانية عن كارثة ملعب هيلزبورو، والذي دخل في مواجهة مع حكومة بوريس جونسون -خلال جائحة كورونا- دفاعا عن سكان شمال إنجلترا والعمال، أصبح الآن رئيسا للوزراء، ويملك أدوات الدولة البريطانية نفسها.

في 8 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت حكومة بيرنَم، عبر وزير الخارجية إد ميليباند، إجراءات تستهدف التجارة والخدمات المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بالتنسيق مع دول أخرى. وربطت لندن الإجراءات بتوسع المستوطنات والعنف الذي يمارسه المستوطنون، وبالحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين.
ولم تكتفِ الحكومة بالقول إن المستوطنات غير قانونية؛ بل استخدمت لغة أشد بشأن الاحتلال نفسه وممارسات المستوطنين، وهو ما جعل القرار سياسيا ورمزيا أكبر من حجمه التجاري المباشر.
وفي اليوم التالي دافع بيرنَم عن القرار أمام الانتقادات، مؤكدا أن بريطانيا مطالبة بالوقوف ضد الظلم وبالدفاع عن حل الدولتين. وهنا بدأ التحول من قرار تجاري إلى أزمة سياسية ودبلوماسية.
ردت دولة الاحتلال بإجراءات دبلوماسية قاسية، من بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ومنع عدد من الشخصيات البريطانية من دخول إسرائيل، وتحدث مسئولون في الكيان عن ضرورة دعم الأرجنتين في استعادة جزر فوكلاند.. مع تهديدات بالتوسع في إجراءات الرد، إذا واصلت لندن سياستها.
لكن الرد الإسرائيلي لم يؤدِ إلى تراجع لندن. بل دافع بيرنَم عن المبدأ الذي قامت عليه السياسة الجديدة بقوله: لا تستطيع بريطانيا أن تتخلى عن موقفها لمجرد خشيتها من رد الفعل الإسرائيلي.
وبذلك أصبحت القضية أكبر من المستوطنات نفسها؛ إذ تحولت إلى اختبار لمن يملك حق تحديد حدود ما تستطيع دولة غربية حليفة للكيان أن تفعله دون أن تدخل في مواجهة مباشرة معه.
واليوم.. اتسع الجدل داخل بريطانيا، بما في ذلك داخل المجتمع اليهودي البريطاني. ففي الوقت الذي عارضت فيه أصوات يهودية أرثوذكسية بارزة الإجراءات وحذرت من تداعياتها، أيدتها أصوات يهودية تقدمية، رأت أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية؛ لا ينبغي أن يساوى تلقائيا بمعاداة السامية.
وفي الوقت نفسه ظهرت مشكلة عملية شديدة الأهمية هي: كيفية تطبيق الحظر والتمييز الجمركي بين المنتجات القادمة من داخل إسرائيل وتلك المنتجة في المستوطنات. وذكرت تقارير أن مسئولين بريطانيين كانوا قد حذّروا من صعوبة الفصل بين سلاسل التوريد المتشابكة، وهو ما يجعل “معركة التنفيذ” اختبارا حقيقيا لجدية القرار.
وتتجاوز أهمية التصعيد حجم التجارة المباشرة مع المستوطنات؛ فالمغزى السياسي هو انتقال بريطانيا من الإدانة الدبلوماسية إلى استخدام أدوات الدولة لفرض كلفة على جزء محدد من سياسة إسرائيل في الأراضي المحتلة.
إننا أمام تحوّل نوعي كبير.. فقد انتقلت لندن من الاعتراض على سياسة دولة الاحتلال، إلى استخدام أدوات الدولة البريطانية لفرض كلفة على جزء من هذه السياسة. وهذا فارق مهم بين الإدانة الشفوية والسياسة القابلة للإنفاذ.

والأكثر دلالة أن التحول جاء في عهد سياسي، بنى جزءا من شرعيته على فكرة الوقوف مع الطرف الأضعف في مواجهة المؤسسات الأقوى. لذلك فإن هيلزبورو وكورونا وفلسطين تبدو، حلقات في السيرة السياسية نفسها: مساءلة الدولة عندما تخطئ، والدفاع عن الفئات التي تتحمل العبء الأكبر، ورفض الاكتفاء بالمشاهدة عندما يرى أن الظلم واقع أمامه.
على بيرنَم الآن مواجهة آلية التنفيذ الجمركية وكيفية الفصل بين منتجات المستوطنات والمنتجات الأخرى القادمة من الأرض المحتلة، وتحديد مستوى الإثباتات المطلوبة من المستوردين، كما يتحتم عليه النظر في العلاقة مع الولايات المتحدة. فكلما انتقلت السياسة البريطانية من الكلام إلى التطبيق، زادت احتمالات الضغوط الأمريكية، ولا سيما من الأوساط الجمهورية والجهات المؤيدة لإسرائيل.
ففي الثاني والعشرين من الشهر الجاري، سيكون بيرنَم في نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وهناك يمكن أن يتحول القرار البريطاني إلى ورقة تفاوضية في اتصالات بيرنَم مع فرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى تفكر في خطوات مماثلة.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية؛ لن يفوت نتنياهو استخدام المواجهة مع لندن في خطابه الداخلي، بينما ستحاول المعارضة تقديم السياسة البريطانية، باعتبارها نتيجة مباشرة لتطرُّف الحكومة.
بطاقة تعريف:
ينتمي أندي موراي بيرنَم، المولود في 7 يناير 1970، في أينتري قرب ليفربول- إلى بيئة شمالية عمالية تركت أثرا عميقا في تكوينه السياسي. درس الأدب الإنجليزي في كامبريدج، وعمل في الصحافة والسياسة قبل أن ينتخب نائبا عن دائرة لي عام 2001، ثم صعد داخل حكومات حزب العمال في عهد توني بلير وجوردون براون، فتولى مناصب وزارية عدة، بينها كبير أمناء الخزانة، ووزير الثقافة، ووزير الصحة.
خاض بيرنَم انتخابات قيادة حزب العمال أكثر من مرة. ولم يكن في بداياته السياسية الشخصية اليسارية التي أصبحت صورته الحالية مرتبطة بها؛ فقد جاء من تقاليد “العمال الجديد”، ثم تحرك تدريجيا نحو خطاب أكثر نقدا للنموذج الاقتصادي والسياسي السائد، وأكثر تركيزا على السلطة المحلية، والخدمات العامة والطبقة العاملة.
في 2017، أصبح أول عمدة منتخب لمانشستر الكبرى، وهناك حدث التحول الأهم في شخصيته السياسية. بنى لنفسه صورة السياسي الشمالي الذي يريد نقل مركز الثقل من لندن إلى الأقاليم. ومن أبرز مشروعاته توسيع السيطرة العامة على شبكة النقل التي أصبحت Bee” Network”، إلى جانب سياسات لمواجهة التشرد وتوسيع صلاحيات الحكم المحلي. ومن هنا ترسخ لقب “ملك الشمال”. لكن قضيتين صنعتا صورته السياسية الراهنة بصورة خاصة: هيلزبورو وكورونا.
فخلال جائحة كورونا، تحول بيرنَم من عمدة إقليمي إلى شخصية وطنية. ولم يكن اعتراضه الأساسي على مبدأ حماية الناس من الوباء، وإنما على الثمن الاجتماعي والاقتصادي الذي كانت الحكومة المركزية تريد أن يدفعه سكان المناطق الشمالية لقاء القيود الصحية.
في أكتوبر 2020، عندما أرادت حكومة بوريس جونسون إدخال مانشستر الكبرى في المستوى الثالث والأشد من قيود كورونا، دخل بيرنَم في مواجهة علنية مع داوننغ ستريت. كان اعتراضه أن التعويضات المعروضة للشركات والعمال غير كافية، وأن فرض الإغلاق على مناطق فقيرة نسبيا من دون حماية مالية مناسبة؛ سيدفع أعدادا من الناس إلى الفقر والعوز. وطالب بدعم أكبر للعمال والشركات الصغيرة. وانتهت المواجهة إلى فرض المستوى الثالث رغم اعتراضه، لكن بيرنَم خرج منها بصورة سياسية مختلفة تماما: سياسي يقف في وجه الحكومة المركزية دفاعا عن الناس الذين يتحملون العبء الأكبر للقرار.
في 15 أبريل/نيسان 1989، لقي 97 من مشجعي ليفربول حتفهم في كارثة التدافع بملعب هيلزبورو في شيفيلد. ولسنوات طويلة جرى تحميل المشجعين جانبا كبيرا من المسئولية، بينما ظلت أخطاء الشرطة والسلطات المنظمة للمباراة في الخلفية.
خلص تقرير تايلور إلى أن السبب الرئيسي للكارثة، كان فشل السيطرة الشرطية، لكن المعركة السياسية والقانونية والإعلامية من أجل تثبيت الحقيقة استمرت عقودا.
ارتبط بيرنَم بهذه القضية ارتباطا شخصيا وسياسيا عميقا. وفي أبريل 2009، عندما كان وزيرا للثقافة، ألقى كلمة في الذكرى العشرين للكارثة أمام عشرات الآلاف في أنفيلد، وقاطعته الجماهير بهتاف “العدالة للـ 96″؛ وهو مشهد قال بيرنَم لاحقا إنه كان نقطة تحول شخصية حاسمة في حياته السياسية.
لم يكتفِ بيرنَم بالتعاطف مع عائلات الضحايا، بل ضغط باتجاه فتح الطريق أمام الكشف الكامل عن الوثائق. وكشفت لجنة هيلزبورو المستقلة عام 2012، أن رواية تحميل المشجعين المسئولية لم تكن صحيحة، وأن هناك إخفاقات مؤسسية واسعة، بما فيها تعديل بيانات الشرطة ومحاولات إخفاء جوانب من المسئولية.
وفي 2016، انتهت التحقيقات الجنائية الجديدة، إلى تثبيت أن الضحايا تعرضوا للقتل غير المشروع، في تتويج لمسار طويل من النضال قادته العائلات وسانده بيرنَم سياسيا.
وقد جعل بيرنَم من هيلزبورو نموذجا لما عُرف لاحقا بـ«Hillsborough Law»: ضرورة إلزام المؤسسات العامة بالشفافية والتعامل مع الضحايا بصورة أكثر إنصافا.
The post هل بدأت لندن مراجعة علاقتها بدولة الاحتلال.. بوصول بيرنَم إلى داوننغ ستريت؟ appeared first on أصوات أونلاين.
]]>The post المقاطعة تنتصر.. وأديداس تعتذر! appeared first on أصوات أونلاين.
]]>الإعلان كان يروِّج لخدمة عالمية أطلقتها الشركة باسم “الحذاء الواحد “”Single Shoe والمخصصة للأشخاص الرياضيين، من مبتوري الأطراف لشراء فردة حذاء واحدة بنصف السعر.
واجهت الحملة الإعلانية انتقادات حادة من ناشطين مؤيدين لفلسطين؛ حيث اعتبروا الاستعانة بجندي من جيش الاحتلال، أصيب عام 2021، أمرا غير حساس ويتجاهل معاناة عشرات الآلاف من الفلسطينيين، والأطفال الذين بُترت أطرافهم في قطاع غزة. انضم عدد من المشاهير للحملة على رأسهم الممثل الإسباني خافيير بارديم.
أوضحت الشركة في بيانها أن الإعلان كان عبارة عن نشاط محلي، نفَّذه فريق الشركة في دولة الاحتلال، ولم يكن جزءا من حملة عالمية. وأضاف البيان: “لم يكن هدفنا إطلاقا التسبب في الإساءة، ونعتذر لكل من تأثر بذلك”.
على إثر ذلك.. حذف الجندي بيتون، الفيديو الترويجي من حساباته، كما أزالت حسابات الشركة في الكيان المنشورات الخاصة بالحملة.
انتقد مناصرون للقضية الفلسطينية، اقتصار نشر بيان الاعتذار التفصيلي عبر الحساب الإقليمي لـ “أديداس الشرق الأوسط” دون تعميمه بشكل رئيسي باللغة الإنجليزية على الحساب العالمي.
خلال السنوات العشر الأخيرة.. تداخلت شركات المنتجات الرياضية العالمية، مع عالم السياسة والصراعات الدولية في محطات عديدة. تنوعت هذه المواقف بين حملات إعلانية مثيرة للجدل، أو رعاية رياضيين لهم مواقف سياسية، أو الانسحاب الكامل من أسواق بعينها بسبب الحروب وهذا سجل بأبرز هذه الأحداث:
1- شركة أديداس (Adidas) وأزمة بيلا حديد (2024): في تلك الحادثة.. واجهت أديداس انتقادات لاذعة من سياقين مختلفين، عند إطلاق حذاء مستوحى من أولمبياد ميونخ 1972. اختارت الشركة عارضة الأزياء ذات الأصول الفلسطينية بيلا حديد، وجها إعلانيا لها. احتجت دولة الاحتلال بسبب ربط عارضة فلسطينية، بأولمبياد شهد هجوما على رياضيين صهاينة، ما دفع أديداس للاعتذار واستبعاد بيلا، وهو ما فجَّر بدوره غضبا واسعا ودعوات مقاطعة من جانب مناصري القضية الفلسطينية.
وكانت أديداس قد أغلقت متاجرها في روسيا، وعلَّقت شراكتها الطويلة مع الاتحاد الروسي لكرة القدم عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية 2022؛ تماشيا مع العقوبات الغربية.
2- شركة نايكي (Nike): عام 2018، أطلقت نايكي حملة إعلانية ضخمة، بطلها لاعب كرة القدم الأمريكية كولين كايبرنيك، الذي كان يركع أثناء النشيد الوطني الأمريكي احتجاجا على وحشية الشرطة والعنصرية ضد السود. آثار الإعلان انقساما سياسيا حادا في أمريكا؛ حيث أحرق معارضون منتجات الشركة، بينما ارتفعت مبيعاتها من جانب المؤيدين للحركة.
وفي عام 2021، أعربت نايكي عن قلقها بشأن تقارير السخرة وعمالة الأقليات المسلمة في إقليم شينجيانغ الصيني. ردت الحكومة الصينية والمستهلكون بحملة مقاطعة شرسة ضد نايكي، أزيلت منتجات نايكي من المتاجر الإلكترونية الصينية، ما وضع الشركة في مأزق اقتصادي وسياسي معقد في أكبر أسواقها الآسيوية.
3- شركة بوما (Puma) رعاية الاتحاد الصهيوني لكرة القدم (2018 – 2023) عانت شركة بوما الألمانية من حملة مقاطعة دولية استمرت لسنوات وقادتها حركة (BDS)، بسبب رعايتها للاتحاد الصهيوني لكرة القدم الذي يضم أندية تلعب داخل المستوطنات في الضفة الغربية.. وتحت الضغط الاقتصادي المستمر وصورة العلامة التجارية المتضررة، أعلنت بوما أنها لن تجدد عقدها مع الصهاينة مع نهاية عام 2024، مبررة ذلك بأسباب استراتيجية تسويقية.
4- شركة آندر آرمور (Under Armour) وأزمة التصريحات السياسية للرئيس التنفيذي (2017) إذ أشاد الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك، كيفن بلانك، بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ووصفه بأنه “أصل حقيقي للبلاد”. أثارت هذه التصريحات السياسية غضبا واسعا بين المستهلكين، ودعت أطراف سياسية لمقاطعتها، كما واجهت الشركة انتقادات من أبرز الرياضيين المتعاقدين معها مثل نجم السلة ستيفن كاري، ما أجبر بلانك على إصدار بيان توضيحي يتراجع فيه جزئيا لتدارك الأزمة.
تؤثر حملات المقاطعة الشعبية على الشركات الرياضية الكبرى عبر آليات اقتصادية مباشرة وغير مباشرة. ورغم أن هذه الشركات متعددة الجنسيات تمتلك تنوعا جغرافيا كبيرا يحميها من الإفلاس الكامل، إلا أن الأرقام والتقارير المالية تكشف حجم الخسائر والإرغامات الاستراتيجية التي تفرضها المقاطعة.. على الرغم من أن المقاطعة نادرا ما تؤدي لإغلاق شركة عالمية بالكامل؛ نظرا لانتشارها في مئات الدول، إلا أنها تنجح في إحداث نزيف مالي بملايين الدولارات في الأسواق المستهدفة، وتجبر مجالس إدارات هذه الشركات على تقديم اعتذارات رسمية متكررة، وتغيير استراتيجياتها التسويقية، وإلغاء عقود رعاية سياسية مكلفة لتجنب استمرار الخسائر وصيانة سمعة العلامة التجارية.
The post المقاطعة تنتصر.. وأديداس تعتذر! appeared first on أصوات أونلاين.
]]>The post الحياد الفاعل قدر الجغرافيا وخبرة التاريخ appeared first on أصوات أونلاين.
]]>
تثبت التطورات العسكرية الأخيرة من استهداف حاملات الطائرات الأمريكية ومن استهداف مضاد لناقلات النفط الإيرانية أن ما يعرف بـ «الاحتفاظ بمستوى من الصراع العسكري مسيطر عليه» ليس مضمونا على الإطلاق.
وأن القدرة على الإبقاء على ما يسمى بصراع منخفض المخاطر أو صراع دون عتبة الحرب الشاملة قابل للانهيار والإفلات عند أي خطأ في الحسابات أو إقدام أحد الطرفين على نمط تصعيد غير متوقع ومقابلة ذلك بردود فعل عصبية.
يثبت هذا مجددا الحاجة إلى التفاوض والحلول السياسية والوسطاء المستقلين الذين يتمتعون بالحياد البناء والنزاهة وقنوات الاتصال مع جميع الأطراف.
يتوافق هذا مع استنتاج وفرته أكبر حربين في السنوات الأربع الأخيرة وهما حرب أوكرانيا وحرب إيران الجاريتان، وهو عجز القوة العسكرية والحرب والعقوبات الاقتصادية على إنهاء الصراعات باستسلام تام لطرف وانتصار مطلق للطرف الآخر.
وعبّر عن ذلك التطور الاستراتيجي أدق تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في مقابلة حديثة أشار فيها إلى أن قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها تراجعت، مستشهدًا بما يجري في أوكرانيا منذ فبراير ٢٠٢٢وكذلك في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران منذ فبراير ٢٠٢٦.

يتوافق هذا أيضا مع ما أثبتته الحرب الأمريكية – الإيرانية لدول المنطقة من تحول القواعد العسكرية على أراضيها ومنشآتها النفطية وبنيتها التحتية من هجمات من عدم فعالية أو على الأقل عدم كفاية الاعتماد على طرف دولي واحد لضمان الأمن وتوفير مظلة حماية مطلقة.
بعبارة أوضح قدمت الحرب المؤلمة التي تم تجاهل مصلحة شعوب الخليج فيها لصالح المصلحة الإسرائيلية درسا مكلفا ماليا ونفسيا ولكن ضروري للدول الخليجية والعربية أن نموذج السياسة الخارجية القائم على تنويع الشراكات والحفاظ علي قنوات اتصال مع الأطراف وممارسة سياسة فيها هامش استقلال وحياد فعال أو بنّاء هو النموذج المناسب للموقع الجيوسياسي الدقيق والحساس لأمن الطاقة والتجارة والسلم الدولي.
والنموذج المناسب أيضا للتعامل مع حاجة ومطامع العالم، أحيانا، في الثروة النفطية بالمنطقة التي تستحوذ لوحدها بما فيها العراق وإيران على نحو ٦٠٪ من احتياطيات النفط و٤٠٪ من احتياطيات الغاز ونحو ٣٥٪ من الإنتاج الحالي للنفط في العالم.
قدمت سلطنة عمان هذا النموذج بشكل مستقر ومتماسك منذ عام ١٩٧٥ وطورته في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – إلى ما يمكن وصفه بعقيدة استراتيجية فكرية.
لم يعد النموذج كما كان محصورا في الحركة السياسية ودبلوماسية التفاوض وممارسة الوساطة بين الأطراف المتصارعة بكفاءة ونزاهة بين إيران والولايات المتحدة ودول غربية عديدة، وبين إيران ودول في مجلس التعاون، وبين اليمن وأطراف الجزيرة العربية، بل سمح أيضا للدبلوماسية العمانية بالتعبير عن النموذج والدفاع عنه في صورة متراكمة مستمرة لما يمكن وصفه بـ «الأدب السياسي political literature».
كما تفصح مقالات معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في الأشهر الخمسة الأخيرة.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن نموذج الحياد الفعال أو الحياد الإيجابي ليس خيارا ترفيا للنخبة السياسية العمانية، بل هو حكم وقدر الجيوبوليتيك الصارم؛ والجيوبوليتيك في معناه الشامل يشمل الموقع الجيوسياسي والخبرة التاريخية وتقاليد الدولة والثقافة السياسية خاصة الدول صاحبة العمق التاريخي.
وهذا الحياد البناء هو صنو الحفاظ على الاستقلال، بل الحفاظ على السيادة والمصلحة الوطنية للشعب العماني. تعلمت عمان من تاريخ شعبها حربا وسلما عبر ضفتي الخليج التي خاضت فيها معارك مشهودة بخبرات صعبة ربما لم تعرفها وتذوق ويلاتها الدول الحديثة.
تعلمت عمان عبر هذا التاريخ قيمة موقعها الجغرافي الفريد وحساسيته لمصالح المنطقة والعالم، وأن الحفاظ على استقلالها مرتبط بحياد نزيه وموقف يسعى للسلام وليس للحرب وأنه مهما تكررت الحروب والصراعات وتقدم النفوذ الأجنبي أو ابتعد عن المنطقة فإن جغرافيتها لن تتغير وتعايش شعوبها حتمي لا مفر منه.
لا تستطيع عمان ضمان سيادتها الوطنية على مضيق هرمز الاستراتيجي وعلى كامل سواحلها الممتدة المفتوحة على خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي والمفتوح على الخليج العربي دون التوصل لترتيبات عبر الحوار وبما يتفق مع قواعد القانون الدولي، وأن ترتيبات أحادية أو قائمة على طلب الطاعة والاصطفاف والانحياز المطلق لن تستقر ولن تحفظ سيادة ولن تحقق حرية الملاحة العالمية ولن تُطمئن العالم الفزع من استمرار إغلاق المضيق واستمرار الصراع.
في الوقت الذي يتأكد فيه اتجاه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب في العلاقات الدولية وتوزيع جديد للقوة بين أطرافه الكبرى، وفي الوقت الذي تشل فيه التكنولوجيا الحديثة والحروب غير المتماثلة قدرة القوى العظمى على فرض إرادتها، وفي الوقت الذي تتجه فيه الدول لتحالفات أمنية جديدة «تحالف مكة مثالا» بين قوى متوسطة وغير غربية؛ يصبح التمسك بنموذج الحياد الفعال العماني والتفاوض والالتزام بالقانون الدولي وعدم الخضوع لترهيب «من ليس معي هو عدوي» هو النموذج القابل للتمسك به والدفاع عنه من الدول الصغيرة والمتوسطة لحماية مصالحها الوطنية وصون استقلالها وسيادتها، وهو الطريق لمنع ما أسماه جويتيريش أيضا تحصين النظام والمؤسسات الدولية من حالة الإفلات من العقاب التي دمرت تقريبا منذ غزو العراق كل إنجاز البشرية في صوغ القانون الدولي والتنظيم الدولي المبني على هذا القانون منذ صلح ويستفاليا قبل أكثر من ثلاثة قرون.
The post الحياد الفاعل قدر الجغرافيا وخبرة التاريخ appeared first on أصوات أونلاين.
]]>The post تحدّيات على طريق الإصلاح (11) مسار التعليم الديني appeared first on أصوات أونلاين.
]]>لكن سرعان ما تجمّد الأزهر وتحرّكت أوكسفورد، التي سبقت الأزهر، بسبعة قرون، في التحوّل إلى نظام التعليم الحديث في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، فأنشأت أوكسفورد الكليات؛ لتدريس العلوم والفنون بينما تأخّر الأزهر في ذلك إلى منتصف القرن العشرين عندما دُفع إليها دفعا بتوجيه من السلطة السياسية العام1930.
وفي الوقت الذي جمد فقه الوقف في الأزهر، وفسدت نظاراته، طوّرت أوكسفورد نظامها الوقفي ملتزمة في إدارته بشفافية مالية وقانونية صارمة؛ ليصل الوقف العام 2017، إلى نحو 1429 مليون إسترليني (1786 مليون دولار)، متمتعة باستقلالية عن الحكومة البريطانية في إدارة كامل شئونها، حتى أصبحت واحدة من أفضل عشر جامعات عالمية.
وبالقدر الذي شجّعت أكسفورد مبكرا محاولات النقد، ومحاكمة أنساق المجتمع الثقافية، والدفع نحو المزيد من التفكير العلمي والعقلانية والإبداع والتفاعل مع متطلبات الواقع بما يُحدث حالة من التطوير والتغيير المستمر، أُحبطت تلك المحاولات في الأزهر قديما؛ مثلما حدث مع أول دراسة نقدية لنظام التعليم الأزهري للشيخ محمد الأحمدي الظواهري، في كتابه: “العلم والعلماء ونظام التعليم” العام 1907 ([1])، الذي دعا فيه إلى إصلاح الأزهر، وكان ينحو في دعوته منحى شيخه محمد عبده، فأغضب الكتاب أروقة الأزهر والخديوي عباس حلمي الثاني، حتّى أنّ شيخ الجامع الأزهر، الشيخ الشربيني، أمر بإحراق مخطوطة الكتاب الأولى. ومثلما حدث مع الشيخ عبد المتعال الصعيدي في محنته الأولى بسبب كتابه: “نقد نظام التعليم الحديث في الأزهر” العام 1924، ومحنته الثانية لمقاله المنشور في جريدة السياسة الأسبوعية 20 فبراير 1937 فأُحيل فيهما إلى مجلس تأديب، وعُوقب على نقده واجتهاده.
وفي الوقت الذي احتفظت فيه أوكسفورد عبر تاريخها بمسافات بعيدة تفصلها عن تقلبات السلطة السياسية، عجز الأزهر عن قطع الحبل السري الرابط بينه وبين السلطة السياسية، فمن رحم المشروع السياسي وبتوجيهٍ منه وُلد إصلاح الفكر الديني وتطوير التعليم الأزهري، مما جعله تابعا له، ومتأثرا به، بل ومغضوبا عليه أحيانا؛ إذ لا تخلو العلاقة بين الإصلاحي والسياسي في تجاربنا الحديثة من وقوع تعارض يُؤدي إلى التضحية بالإصلاحي، بل ومعاقبته، فبعد جهود الشيخ الأزهري، رفاعة الطهطاوي، في تأسيس المدارس وإدخال العلوم الحديثة وإتاحة الفرصة لتعليم المرأة في عهد محمد على، نُفى الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى السودان، وأُوقف مشروعه في عهد الخديوي “عباس الأول” في 4 كانون الأول (ديسمبر) 1848.
وبعد موت “عباس الأول” 16 تموز (يوليو) 1854 في مؤامرة من مؤامرات القصور، وتولّي الخديوي سعيد باشا حكم مصر، أمر بعودة الطهطاوي من منفاه، وأسند إليه نظارات مدارس: الحربية والهندسة ومصلحة الأبنية، ومشروع مطبعة بولاق لطبع كتب التراث، لكن فجأة، على عادة الشرق، عزل الخديوي رفاعة الطهطاوي من العمل عام 1861، وبقي دون عمل رسمي إلى أن مات الخديوي سعيد.
وفي محفل تتويج الخديوي توفيق على عرش مصر قدّم الخديوي السيد جمال الدين الأفغاني إلى المصريين قائلا: “أنت موضع أملي في مصر أيها السيد”، ولم تمرّ سوى بضعة شهور حتّى أمر الخديوي بترحيل “أمله” عن مصر في 24 آب (أغسطس) 1879، وتحديد إقامة تلميذه الشيخ محمد عبده في قريته، حتّى عفا الخديوي عن الشيخ بعد عامٍ من الإقامة الجبرية، وأُسند إليه رئاسة تحرير جريدة “الوقائع” المصرية، لكن سُرعان ما غضب عليه الخديوي مرة ثانية، وأصدر أمرا بنفيه خارج مصر؛ لمشاركته في ثورة عرابي 1881، ثمّ عاد وعفا عنه بعد ستة أعوام من النّفي، وسُمح له بالعودة إلى مصر شريطة ألا يعمل بوظائف التعليم.
ورث عباس حلمي الثاني حكم مصر بعد موت أبيه، فقرّب الشيخ محمد عبده، وأُسند إليه وظيفة أول مفتٍ للديار المصرية، وعضوية مجلس إدارة إصلاح الأزهر، لكن لا تكاد تمضي بضعة أعوام حتّى يغضب الخديوي على الشيخ؛ ويُؤلب عليه الجامدين من علماء الأزهر، وزاد الطين بلّة فتوى الشيخ وقتها بجواز الأكل من طعام غير المسلمين، والتزيّ بزيهم (البدلة)، فاتّهم الشيخ في دينه، واضطر إلى الاستقالة من مجلس إدارة الأزهر، ولاحقته الإساءات حتى مات حُزنا، في 15 تموز (يوليو) 1905.
وفي عهد الملك أحمد فؤاد الأول؛ تُسند مشيخة الأزهر إلى الشيخ محمد مصطفى المراغي الذي لم ينسَ قول الإمام محمد عبده للخديوي عباس حلمي الثاني: “إن إصلاح الأزهر أعظم خدمة للإسلام، وإصلاحه إصلاح لجميع المسلمين” فيُشكّل لجنة برئاسته لدراسة سُبل إصلاح الأزهر، منتهيا إلى ما عُرف تاريخا بمذكرة المراغي الإصلاحية، التي أثارت سخط الملك والجامدين من الأزهريين، وزاد الأمر سوءا فتوى الشيخ بجواز ترجمة معاني القرآن الكريم، التي نُظر إليها بأنّها باب لتحريف القرآن الكريم، واضّطر الشيخ إلى تقديم استقالته في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1929، والابتعاد عن الأزهر قرابة خمس أعوام، حتى ثار طلاب الأزهر مطالبين بعودة الشيخ “المراغي” هذه المرة، ليس من أجل مذهبه الإصلاحي؛ بل لقوّته في الدفاع عن حقوقهم، فلم يعد خريجو الأزهر وحدهم من يعمل بوظائف القضاء والتعليم، فبات ينافسهم بقوة خريجو مدارس القضاء الشرعي ودار العلوم، سيما أنّهم يجمعون بين العلوم القديمة والحديثة، وهذا ما دفع الأزهريين إلى قبول إجراءات إصلاحية محدودة من الشيخ المراغي، ومن قبله الشيخ الأحمدى الظواهري، أهمّها: إدخال بعض العلوم الحديثة إلى الأزهر، بعد عقود من الجمود والتقليد والرفض لمحاولات الشيخ محمد عبده.
وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر ومشيخة الإمام محمود شلتوت للأزهر صدر قانون تطوير الأزهر1961، متضمنا حزمة من الإصلاحات التي قبلها الأزهريون على مضض وارتياب، فيُعاد هيكلة الكليات الشرعية، ولأول مرّة تُنشئ كليات عملية، ومعهد للطلاب الوافدين، وتُدرس اللغات الأجنبية ضمن برامج التعليم، ويُسمح للفتيات بالالتحاق بالأزهر، لكن كما منح القانون للأزهر سلب منه، فنُقلت صلاحيات شيخ الأزهر إلى وزير خاص بشؤون الأزهر مما دفع بالشيخ محمود شلتوت إلى تقديم استقالته.
هكذا جاء تطوير الأزهر متأخرا عن أوكسفورد قرابة سبعمائة عام، وشأن كل محاولة إصلاحية تأتي من أعلى تمسّ الحجر وتخطئ الإنسان، تُغيّر في الشكل واللوائح لكنها قد لا تنجح في إقناع العقول بضرورة استكمال مسار التغيير، فالمشروع السياسي للخديوي ثم الملك ثم الرئيس هو ما دفع الأزهريين نحو التغيير، وليس قناعتهم بالرؤية الإصلاحية التي طرحها إصلاحيون أمثال الطهطاوي أو عبده أو شلتوت، وفرق كبير بين أن يكون الإصلاح جوهريا حقيقيا نابعا من حيوية وتفاعل الأزهر مع أفكار التراث المتنوعة ووليد مشكلات الواقع وأسئلة الحاضر ومنفتحا ومتشابكا مع الحضارة الحديثة، وبين أن يكون إصلاح الفكر الديني لتحقيق غايات سياسية مباشرة يُصيبها التغيّر أو التراجع أو الفتور.
فلم تختلفْ تجربة الشيخ شلتوت مع الرئيس عبد الناصر عن تجربة الشيخ رفاعة الطهطاوي مع الخديوي محمد على باشا وأبنائه، ولا عن تجربة الشيخ محمد عبده مع الخديوي توفيق وعباس حلمى الثاني، ولا عن تجربة المراغي مع الملك فؤاد وفاروق، فكلٌّ واحدة منها مثّلت حلقة من حلقات التداخل بين المشروع السياسي ومسار إصلاح الفكر الديني، ما أضعف المسار الإصلاحي؛ فرغم أنّ الإصلاح بوصفه فاعلية فكرية، نوع من ممارسة السياسة بآليات الفكر، وكون الممارسة السياسية نوعا من ممارسة الفكر بآليات السياسة إلا أنّ بينهما اختلافا نوعيا من حيث الآليات والغايات، ففي الوقت الذي تنشغل الممارسة السياسية بالهموم الآنية للسلطة، وتسعى نحو اليومي والمتغير والمباشر في خضم انشغالها باتخاذ القرارات، ينشغل المفكر الإصلاحي بتحليل وتفسير ظواهر أكثر عُمقا وأبعد مدى، ويسعى نحو الجوهري والثابت والحقيقي الذي يقترب من حدود العلم.
ارتباط إصلاح الفكر الديني بالمشروع السياسي للسلطة ينحرف بالإصلاحيين عن مسارهم الحقيقي ويُدخلهم في دائرة البحث الدائم عن مبررات دينية للمواقف السياسية، فالسلطة تُراهن تارةً على مؤسسات الخطاب الديني الرسمي، وتارةً على الخطابات الدينية غير الرسمية، فقد راهن الملك فاروق في صراعاته الأخيرة مع الوفد على جماعة الإخوان المسلمين في ظلّ ضعف وهامشية تأثير أشكال العمل الإسلامي التقليدي الأزهر والطّرق الصوفية وأنصار السنة المحمدية، وشهدت الحقبة الناصرية في بدايتها تقارباً مع “الإخوان المسلمين”، ثم اختلافا ومواجهة لخطابهم بخطاب ديني رسمي أزهري، ثم عادت وتصالحت الحقبة الساداتية مع الجماعات، فانطلقت من الجامعات المصرية الجماعة الإسلامية التي خرج منها التيارات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين(التأسيس الثاني)، وعشرات الجماعات الجهادية، مستمدة تلك الجماعات زخمها من توحدها المزعوم مع دعوة الإسلام، وسعيها المستمر لاستعادة الأصل الديني الغائب، من منظورها، الخلافة الإسلامية.
وفي ظل تلك السجالات المتكررة يتراجع التجديد والإصلاح الذي يتطلب حيويّة فكرية، لا تنبع من المكانة الروحية لمؤسسة أو مدينة، ففي فترة ازدهار الحضارة الإسلامية نهضت مدن وليدة مثل البصرة والكوفة، ولم تنهض مدن ذات مكانة روحية مثل مكة والمدينة، فالنهوض الذي يسبقه الإصلاح يأتي من تشجيع التفكير الإبداعي الحرّ والتواصل النقدي الخلاق للاستفادة من آليات إنتاج المعرفة في مجالات الدارسات الإنسانية، ومواجهة الاستقطاب الأيدلوجي والشّحن العاطفي بمزيد من العقلانية والحوار، والتصدّى لدعوات الكراهية والتّعصب بالدعوة إلى التسامح والتعايش.
([1]) جاء الكتاب في أبواب أربعة: فالباب الأول في العلماء، أخذ المؤلف فيه على العلماء أنهم لا يعرفون شيئا سوى مناقشات الفنون والكتب التي يدرسونها، فلا يعنون بمطالعة الجرائد والمجلات العلمية، ولا يعرفون شيئا من اصطلاحات الناس وعاداتهم وغير ذلك من أمورهم، ولا يميلون إلا إلى ما وجدوا عليه من قبلهم، لأنهم لا يرون الكمال إلا في علومهم ومعتقداتهم وكتبهم وطرق تدريسهم وسائر أحوالهم. والباب الثاني في المدارس الدينية -الأزهر والمدارس الملحقة به- وخلاصة ما جاء فيه أن هذه المدارس صارت لا فائدة فيها، وأصبحت لا تؤدي وظيفتها للعالم الإسلامي، لاختلال نظامها، وفساد طرق التعليم فيها، فيجب إصلاحها بحمل طلابها على المطالعة ومعرفة نظم الأشياء وحقائقها، وما في هذا العالم من شرائع وديانات، وما إلى هذا من الاصطلاحات التي جاءت في هذا الباب. والباب الثالث في العلوم، وقد عاب فيه طرق دراستها، ورأى أن يُضاف إليها كثير من العلوم الحديثة وتاريخ الملل والمذاهب والآراء واللغات الأجنبية، ورأى أيضا أن يؤلف فيها كتب حديثة ملائمة لهذا العصر، وذكر أن الكتب التي تدرس فيها لا تختار من جيد ما ألفه السلف، وإنما تختار من الرديء القليل الفائدة. والباب الرابع في طرق التعليم، وخلاصة ما جاء فيه أن منتهى الكمال في هذه الطرق هو التفنن في فهم عبارات المتون، وإيراد ما لا يحصى من المعاني في فهمها، والإكثار من الاعتراضات والأجوبة عنها، وهي طريقة معيبة لا تهتم إلا بهذه المباحث اللفظية، ولا يعنيها تفهيم الطلاب مسائل العلوم في ذاتها. ( يُنظر: محمد عبدالمنعم خفاجي، الأزهر في ألف عام، ج3، ص178،177).
The post تحدّيات على طريق الإصلاح (11) مسار التعليم الديني appeared first on أصوات أونلاين.
]]>The post “الحرب الهجينة”.. ماذا نعرف عن الكابوس الذي يؤرق أوروبا والعالم؟ appeared first on أصوات أونلاين.
]]>يشير مصطلح “الحرب الهجينة” (Hybrid Warfare)، وفقا للتعريفات الأكاديمية والعسكرية، إلى نمط حديث من الحروب، يعتمد على أدوات غير كلاسيكية في مواجهة الخصوم، إذ يدمج هذا النمط بين الأدوات العسكرية والتكنولوجية والسيبرانية والإعلامية. فنجد أساليب مثل الخداع والتضليل المعلوماتي المصمم بالذكاء الاصطناعي، والهجمات السيبرانية على المرافق والمنشآت الحيوية، واستخدام الميلشيات والوكلاء المحليين، في معركة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى الفضاءات الرقمية والرمزية. وقد بدأ هذا المفهوم يترسخ داخل الناتو بعد عام 2014، عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، حيث أشار الأمين العام للحلف آنذاك، أندرس فوج راسموسن إلى أن “التهديدات لم تعد تأتِ فقط من الدبابات، بل من المعلومات المضللة والهجمات الإلكترونية”.
تنسب بعض الأطروحات البحثية صياغة مصطلح الحرب الهجينة إلى ضابط البحرية الأمريكي روبرت واكر (1929-2016)، الذي أشار إليه عام 1998، معتبرا إياه نموذجا مختلطا من التكتيكات العسكرية التقليدية والخاصة، ينفذ في لحظات حرجة بين الدول المتصارعة دون اللجوء إلى عمليات عسكرية موسعة. ويرى بعض المحللين أن هذا النمط من الحروب لم تكن بدايته حديثه في القرن الحادي والعشرين كما يظن البعض، بل له إرهاصات سابقة في الحرب العالمية الثانية، مثل قرار رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل بإنشاء “إدارة العمليات الخاصة” بأمره الشهير: “أشعلوا النار في أوروبا!”.

لكن أصابع الاتهام الغربية تشير حاليا إلى روسيا باعتبارها المطور الحصري لهذا النوع من الحروب، وأنها بلورته في شكله الحديث انطلاقا من الأدوات والتكتيكات غير التقليدية التي استخدمت في سنوات الحرب الباردة. وما زاد هذه الفرضية وجاهة هو ما يعرف بـ”عقيدة غراسيموف”، نسبة إلى الفريق أول فاليري غراسيموف، رئيس أركان القوات المسلحة الروسية، الذي كتب مقالا في مجلة عسكرية روسية عام 2013، ناقش فيه أن تحقيق النصر في حروب المستقبل يستلزم تعزيز التكتيكات العسكرية الموروثة من الحقبة السوفيتية بـ”وسائل عسكرية ذات طابع خفي”. واعتبر هذا التصريح في الأوساط الغربية اعترافا صريحا من القيادة العسكرية الروسية بشرعنة استخدام أساليب الحرب الهجينة.
وإذا كانت عقيدة غراسيموف، قد وفرت الغطاء النظري لهذا النمط من الحروب، فإن الذكاء الاصطناعي هو ما وفّر أدواتها التنفيذية الأخطر. فهو اليوم الأداة الأبرز في الحرب الهجينة، والعقل التكنولوجي الذي يديرها ويصمم استراتيجياتها، كما يمثل دليل الاتهام الأقوى الموجه لروسيا في الحرب الأوكرانية.
وتشير تقارير غربية إلى أن موسكو اعتمدت على الذكاء الاصطناعي في تطوير مسيرات هجومية، واستخدام خوارزميات متقدمة لتنسيق نيران المدفعية واستهداف البنى التحتية الحيوية. لكن الاستخدام الأخطر تمثل في توظيف الذكاء الاصطناعي في الدعاية الحربية وتحليل اتجاهات الرأي العام الغربي، حيث استخدمت روسيا روبوتات رقمية (Bots) ومنصات تواصل مدعومة بخوارزميات تعلم آلي، للتأثير على النقاشات العامة في الغرب وشرق أوروبا وإعادة توجيه السرديات لصالحها.
في المقابل، طورت أوكرانيا، بمساعدة دول الحلف وأمريكا، أنظمة مسيرات قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف والتعامل معها ذاتيا دون تدخل بشري مباشر، وهو ما جعل سلاح المسيرات عاملا حاسما في ميزان القوة الميداني، ولوحظ ذلك من خلال العمليات النوعية التي استهدفت من خلالها كييف، مصفات نفط وموانئ ومطارات حيوية في روسيا. وبرزت شركات خاصة أمريكية مثل Palantir و Clearview AI في توفير منصات تحليل بيانات ضخمة، استخدمت لدعم القوات الأوكرانية في التعرف على الأفراد والمعدات الروسية عبر تقنيات التعرف على الوجه وتحليل الحركة.

ما يميز هذا النمط الحربي -في ساحات القتال الميداني- أنه يربك الخصوم ويشتت جهودهم وقدراتهم على الرد. ومع اندلاع الغزو الروسي الثاني لأوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022، ظهرت معالم هذه الحرب الهجينة بشكل واضح لا تخطئه العين. فقد مرت أربع سنوات حتى كتابة هذه السطور، ولا تزال الأدوات والتكتيكات المستخدمة في هذه الحرب، تتطور يوما بعد يوم، إلى حد وصف بعض المختصين في الشئون العكسرية أوكرانيا بأنها الميدان الأحدث للحروب الهجينة في عصرنا الحالي – فلم يعد هذا الميدان موقعا للصراع والقتال فقط، بل حقل تجارب لأحدث الأسلحة والتقنيات العسكرية المرتبطة بالحرب الهجينة.
في المقابل، تنفي موسكو باستمرار مسئوليتها عن تطوير وشن هذا النوع من الحروب. “هذا النمط صناعة غربية في الأساس”، هكذا يتكرر الرد الروسي على الاتهامات الغربية، مستشهدا بما يسمى بـ”الربيع العربي” والإطاحة بأنظمة عربية مختلفة دون تدخل عسكري مباشر، باعتباره التطبيق العملي الأول لهذا النمط الحربي حديثا.

ولم تتوقف الاتهامات عند روسيا وحدها، بل امتدت إلى الصين أيضا، باعتبارها أبرز المهندسين لهذا النوع –لا عبر أعمال عسكرية مباشرة، بل من خلال سلوك دعائي ومعلوماتي مضلل، إضافة إلى توظيف تقنيات متقدمة من الذكاء الاصطناعي في إدارة عمليات استراتيجية عن بعد، غرضها تعزيز الصورة النمطية الإيجابية عن الصين بما يخدم مصالحها حول العالم.
وبين اتهام غربي يرى في موسكو وبكين مهندستي هذا النمط الحربي، ورد فعل روسي- صيني ينسب الفكرة أصلا للغرب نفسه، يبقى السؤال الأهم: هل ما نشهده حقا “حرب هجينة” بأدوات جديدة، أم أن كل طرف في هذا الصراع يعيد اختراع الأداة ذاتها التي طالما استخدمها الآخر ضده؟
The post “الحرب الهجينة”.. ماذا نعرف عن الكابوس الذي يؤرق أوروبا والعالم؟ appeared first on أصوات أونلاين.
]]>The post ما وراء الحب.. عندما تكون الغاية شيئا آخر appeared first on أصوات أونلاين.
]]>يهدف المقال إلى توضيح كيفية تحوّل مفهوم الحب، في بعض السياقات الاجتماعية، من علاقة تقوم على الاعتراف المتبادل إلى وسيلة للتأثير وتحقيق المنفعة، من خلال توظيف المشاعر والثقة والوعود والاحتياجات الإنسانية للوصول إلى غايات مادية أو اجتماعية أو نفسية أو جسدية، والكشف عن انعكاسات هذا التحول على طبيعة العلاقة ومكانة الإنسان داخلها، حين يتراجع الاعتراف بالآخر لصالح النظر إليه، من خلال ما يقدمه من قيمة أو منفعة، بما يكشف عن تسلل منطق المنفعة والحساب، إلى المجال العاطفي وتراجع المعنى الإنساني والأخلاقي للعلاقة.
يبدو الحب -في صورته الإنسانية- من أكثر أشكال العلاقة تعبيرا عن الاعتراف بالآخر، وقبول وجوده بوصفه ذاتا مستقلة، غير أن الحب لا يتشكل خارج المجتمع، ولا تنشأ العلاقات العاطفية في فراغ منفصل، عن الحاجات والمصالح والقيم وعلاقات القوة، التي تنظم الحياة الاجتماعية. ولهذا يمكن أن تتداخل في العلاقة العاطفية دوافع تتجاوز المشاعر ذاتها، فيتحول الحب -في بعض السياقات- من علاقة تقوم على الاعتراف المتبادل، إلى وسيلة لتحقيق غايات أخرى.
يبدأ هذا التحول عندما تتراجع قيمة الآخر بوصفه إنسانا مستقلا، وتتقدم قيمته بوصفه مصدرا لما يمكن أن يوفره للعلاقة أو لأحد طرفيها. عندها تصبح المشاعر موردا يمكن توظيفه لإنتاج الثقة والتقارب والقبول، ثم استخدام هذه الثقة للوصول إلى منفعة مادية أو اجتماعية أو نفسية أو جسدية. وقد تتمثل الغاية في المال أو الدعم أو الأمان أو المكانة أو الرعاية أو الإشباع النفسي، كما قد تتمثل في الإشباع الجنسي عندما تستخدم مشاعر الحب ووعود الارتباط أو الزواج لبناء ثقة، تفتح الطريق أمام الحميمية والجسد، بينما تكون النية الفعلية مختلفة عن المعنى الذي أعطي للعلاقة.
وتكمن خصوصية هذا النوع من الاستغلال في أن قوته لا تقوم بالضرورة على الإكراه، وإنما على القدرة التي تمنحها المشاعر لصاحبها، في التأثير في الطرف الآخر. فالحب ينتج الثقة، والثقة تفتح المجال للانفتاح والعطاء والتنازل، بينما تمنح وعود الالتزام الحاضر معنى مستقبليا يجعل بعض التضحيات تبدو طبيعية ومبررة. وحين تستخدم هذه القدرة للوصول إلى غاية مخفية، يتحول الحب إلى قوة تأثير ناعمة، لا تعمل من خلال الأمر أو التهديد، وإنما من خلال حاجة الإنسان إلى القرب وثقته بالآخر واستعداده للحفاظ على العلاقة.
ويظهر هذا بوضوح في بعض العلاقات التي تستخدم فيها وعود الارتباط أو الزواج للوصول إلى الإشباع الجنسي. فالمسألة ليست في الرغبة الجنسية ذاتها، وإنما في توظيف معنى الالتزام لإنتاج الثقة وتسهيل الوصول إلى غاية مختلفة. وعندما يكون الوعد مجرد أداة لتحقيق هذه الغاية، فإن الاستغلال لا يقع على الجسد وحده، بل يمتد إلى الثقة والتوقعات والمستقبل، الذي بني على أساس ذلك الوعد. يصبح المستقبل المتخيل جزءا من عملية التأثير، ويتحول الارتباط من أفق حقيقي للعلاقة إلى وسيلة، مؤقتة للوصول إلى ما يريده أحد الطرفين.
ولا يقتصر توظيف الحب على المجال الجسدي، فقد تدخل المنفعة المادية والاجتماعية والنفسية بالطريقة نفسها. قد تصبح العلاقة طريقا إلى المال أو الأمان أو المكانة، وقد تتحول الرعاية والاهتمام إلى وسائل لإنتاج الاعتماد، كما يمكن أن تصبح المشاعر مصدرا للإشباع النفسي المستمر. ومع ذلك، لا يعني وجود المنفعة أن العلاقة استغلالية، فالعلاقات الإنسانية تقوم بطبيعتها على التبادل، ويتبادل أطرافها الدعم والرعاية والأمان والإشباع. الفارق يكمن في أن المنفعة في العلاقة المتبادلة تأتي ضمن اعتراف متبادل بقيمة الطرفين، بينما تصبح في العلاقة الاستغلالية؛ غاية تسخر لها العلاقة ومشاعرها ووعودها.
ومن هنا يبدأ اختزال الإنسان في القيمة التي ينتجها للآخر. فلا يعود الشريك يرى بوصفه ذاتا لها عالمها الخاص، وإنما بوصفه مصدرا لما يوفره من مال أو أمان أو مكانة أو رعاية أو اهتمام أو متعة. وتصبح قيمة العلاقة مرتبطة بقدرتها على إنتاج هذه المنافع، بحيث يتراجع حضور الإنسان خلف الوظيفة التي يؤديها داخل حياة الآخر. وعندما تتوقف المنفعة أو تتغير القدرة على تقديمها، تتراجع قيمة العلاقة، وكأن ما كان يحب لم يكن الإنسان نفسه، وإنما ما كان يستطيع أن يمنحه.
وهذا التحول لا يمكن فهمه باعتباره سلوكا فرديا منفصلا عن المجتمع. فالحب والوفاء والالتزام والزواج والتضحية تحمل معاني اجتماعية تمنحها قوة تتجاوز التجربة الفردية. ووعد الزواج -مثلا- يستمد جزءا كبيرا من تأثيره من المكانة التي تمنحها الثقافة الاجتماعية للارتباط والاستقرار وبناء المستقبل، كما أن الثقة العاطفية ليست مجرد حالة نفسية، بل علاقة اجتماعية تجعل الإنسان أكثر استعدادا للانفتاح وتقديم وقته واهتمامه وموارده وجزء من حياته الخاصة. ولهذا يمكن لهذه المعاني أن تصبح قابلة للتوظيف حين تدخل في علاقة يحكمها منطق المنفعة.
ومع اتساع منطق الحساب والمقارنة والتقييم في الحياة الاجتماعية، يمكن أن ينتقل هذا المنطق إلى العلاقات الأكثر حميمية. يصبح الشريك قابلا للنظر إليه من خلال ما يضيفه إلى حياة الآخر، وما يوفره من موارد مادية أو رمزية أو عاطفية أو جسدية. ولا يعود الأمر مقتصرا على المال أو المكانة، بل يمتد إلى القدرة على توفير الأمان والاهتمام والرعاية والمتعة والإشباع. وهكذا تصبح العلاقة -تدريجيا- مجالا لتقييم الإنسان وفق القيمة التي يستطيع إنتاجها، بدلا من أن تكون مجالا للاعتراف بقيمته الإنسانية.
ولا يعني ذلك أن العلاقات الإنسانية تحولت كلها إلى علاقات نفعية، وإنما يكشف عن قابلية العلاقات العاطفية للتأثر بالمنطق الاجتماعي الذي تتحرك داخله. فحين يصبح الحساب معيارا متقدما في تنظيم العلاقات، يمكن أن تتسلل لغة المنفعة إلى المجال العاطفي من دون أن تظهر دائما في صورة مادية مباشرة. قد تكون المنفعة في صورة مال، أو مكانة، أو أمان، أو اهتمام، أو رعاية، أو إشباع، وقد تكون العلاقة نفسها وسيلة للحصول على شيء يقع خارجها.
وعند هذه النقطة يصبح الاستغلال أكثر من مجرد خداع عاطفي عابر، إنه تحوّل في وظيفة العلاقة. فالمشاعر التي كان يفترض أن تؤسس الاعتراف المتبادل يمكن أن تتحول إلى أدوات تأثير، والثقة التي يفترض أن تحمي العلاقة يمكن أن تصبح مدخلا إلى استثمار الطرف الآخر، والوعود التي تمنح المستقبل معنى يمكن أن تستخدم لضمان استمرار العطاء في الحاضر. وحين يستقر هذا المنطق، يصبح الإنسان قابلا لأن يختزل إلى ما يقدمه، وتصبح العلاقة قابلة لأن تقاس بما تنتجه من منفعة.
إن خطورة تحويل الحب إلى وسيلة لا تكمن فقط في الغاية التي يسعى إليها المستغل، وإنما في إعادة تعريف العلاقة نفسها. فعندما يصبح الآخر مُهمًّا بسبب ما يمنحه، تفقد العلاقة شيئا من بعدها الإنساني، ويتحول الاعتراف إلى تقييم، والثقة إلى مورد، والوعد إلى أداة، والقرب إلى منفعة. وفي هذه اللحظة لا يعود الاستغلال مجرد استخدام لمشاعر شخص آخر؛ بل يصبح تعبيرا عن منطق أوسع يمكن أن يحول حتى أكثر العلاقات حميمية إلى علاقات قابلة للحساب والاستخدام.
ويبقى الحب، رغم ذلك، قادرا على أن يكون علاقة اعتراف وتضامن وقرب ومعنى مشترك، لكن قيمته الإنسانية تتطلب أن يبقى الآخر أكثر من مجموع المنافع التي يقدمها. فحين يصبح الإنسان غاية في ذاته، يمكن أن تتعايش داخل العلاقة حاجاته ومصالحه ومنافعه من دون أن يفقد إنسانيته. أما حين يصبح وسيلة، فإن الحب نفسه يفقد وظيفته الإنسانية ويتحول إلى أداة من أدوات المنفعة، وعندها لا يكون ما فقد مجرد علاقة، بل معنى العلاقة ذاتها.
نصيحتي لك.. في الحب، اختر العلاقة التي تجعلك أكثر اتزانا، لا أكثر تعلقا، وأكثر نضجا، لا أكثر احتياجا. تعلّم أن تمنح دون أن تستنزف نفسك، وأن تقترب دون أن تفقد مساحتك، وأن تحافظ على حدودك دون أن تغلق قلبك. فالحب الناضج لا يطلب منك أن تتخلى عن ذاتك كي تستمر العلاقة، ولا أن تجعل حياتك معلقة على حضور شخص آخر؛ بل يمنح كل طرف مساحة ليكبر في حياته، ويجد في الآخر رفيقا يشاركه الطريق لا بديلا عن الطريق. لذلك أحب بوعي، واختر من يضيف إلى سلامك، وكن أنت أيضا شخصا يضيف إلى سلام من تحب، فالمودة الحقيقية تقوم على الرحمة والاحترام والمسئولية، وعلى وعي يميز بين ما هو حلال وما هو حرام، ويحفظ للإنسان كرامته، دون أن يفقد الحب معناه الإنساني. فالعلاقات الجميلة لا تصنع حياة كاملة نيابة عنا، وإنما تساعدنا على أن نصنع حياة أجمل، ونحن ما زلنا نملك أنفسنا، ونختار ما يصون قلوبنا وكرامتنا وحياتنا.
The post ما وراء الحب.. عندما تكون الغاية شيئا آخر appeared first on أصوات أونلاين.
]]>The post تحدّيات على طريق الإصلاح(10) ضمور المكون الثقافي appeared first on أصوات أونلاين.
]]>فيفتقر المُجدّد -دون غيره- لأدوات تجعل المثقف له دور في عملية التجديد، يفتقر إليها في ممارسة نقد الواقع ومحاكمة أنساقه الثقافية إلى خزين ثقافي، يُمكّنه من قراءة التراث الإسلامي والنّص القرآني قراءة متأنية، تكشف عن مداليلها الحقيقية، وتُجلّي عنها تراكمات المفسرين المتلاحقة، وهذا يستدعي أن يتوافر المُجدّد على أدوات البحث العلمي، والتسلح المعرفي قبل أن يشرع في تفكيك التراث، وفرز ما هو ثابت من الدين، وما هو فكر إنساني يحتفظ بتاريخيته، وتطاله يدّ التجديد في إطار أهداف الشريعة ومقاصدها، وأيّ محاولة للتجديد لا تُراعي ذلك ستأتي نتائجها شوهاء قاصرة عن إدراك الحقيقة، وعاجزة عن تقديم حلول صحيحة لمشكلات الواقع، وقد يُؤدي هذا المنهج في التفاعل مع الفكر إلى ردّة فعل معاكسة، يكون ضحيتها مكانة الدين، وليس التراث أو الفكر الإسلامي وحده.( )
ومن شأن تلك المعرفة أن تصنع وعيا، هو عنصر الحياة في المجتمع، وأداة التغيير نحو مستقبل طموح، فلولاه لا يتحرك في المثقف دواعي التجديد، ولا يتولّد لديه همّ الإصلاح، فالوعْي يرتبط بالتجديد ارتباطا عضويا، وسرّ إخفاق محاولات التجديد المعاصرة يكمن في نقْص الوعي أو توجهه الخاطئ، ونوعية الثقافة السائدة من أهم العوامل التي تُؤثر في بناء الوعي.. فالثقافة النقدية الجادة تؤثر إيجابا في تطويره، والثقافة المنغلقة تُفضي إلى واقع سلبي يُغيّب الوعي، ويعتم الرؤية، فلا يعي معنى التجديد، ولا يدرك ضروراته في ظلّ المتغيرات التي يزخر بها الواقع.
فالخطوة الثانية على طريق التجديد، هي أن يعي المثقف وجود أزمة في الفكر والثقافة ويعي خطورتها وضرورة معالجتها، ثم ينطلق لوضع الحلول المناسبة لها، وفي مقدمة تلك الأزمات التي تعصف بالوعي هي عدم التمييز بين الدين المقدس الذي لا تمسّه يد المراجعة والتقويم والفكر الديني -غير المقدس- الذي يتأثر بالظروف الزمانية والضرورات الحياتية؛ لذا اعتبر بعض الفقهاء عنصري الزمان والمكان، دخيلين في العملية الاجتهادية، لاستنباط الأحكام الشرعية، بغية الإجابة عن أسئلة العصر، والكفّ عن أسئلة الماضي التي لا مساس لها بالحاضر، وليست مورد ابتلاء المكلفين كما يعبر الفقهاء، فكل مرحلة لها تساؤلات وإشكاليات تعبر عن هموم الفرد والمجتمع.
وعندما يتبلد الوعي، يُتهم التجديد ويدخل في دائرة محاربة الدين، وادعاء أنه محاولة للارتداد عن العقيدة والمذهب، يجب محاربتها لحفظ بيضة الإسلام. فبعد أن التبس الفكر الديني في خطابنا المعاصر بالدين- تعالى على النقد؛ فإذا تأجَّج الوعْيُ أدركت الأمة الخطّ المائز بين حقيقة الدين والفكر الديني، وحينها نفهم جيدا أن الفكر الإسلامي يمثل قراءات متعددة للدين تمت في إطار التاريخ أي ضمن معطيات زمانية ومكانية محددة؛ فهو في حقيقته تراث بشري لا ينفصل عن تاريخيته.
ويُراد بالوعي القدرة على تشخيص الواقع وفِقه ملابساته وتشخيص أخطائه بعد تفكيك مكوناته ومحاكمة أنساقه، وتحديد الأولويات، وتمييز الالتباس، واكتشاف التزوير، فالشعوب الواعية شعوب يقظة متبصرة، والشخص الواعي مرهف الحسّ، شديد الحساسية إزاء التزوير والمغالطات، فلا يتكيّف مع الواقع المزوّر، بل يعيش حالة من الغليان والثورة الداخلية ضدّ القيم المصطنعة، ويتطلع باستمرار إلى التجديد والإصلاح، فأوّل بوادر التطور الحضاري والانطلاق في مهام التجديد ومصداقية التقدم على أرض الواقع- أن يسود الوعي المفاصل الحياتية في المجتمع، والوعي يُغاير المعرفة والاطلاع واختزان المعلومات، فربما يُرَاكم الشّخْصُ في ذاكرته كمًّا كبيرا من المعارف والعلوم، غير أنه يفتقر إلى الوعي، لأن المعلومة حينما تستقرّ في لا وعيه لا تضيء فضاءه المعرفي، فلا تحرك المظاهر الخاطئة والمفاهيم المزورة فيه هم الإصلاح والتجديد، وعلى العكس تعيش الشعوب غير الواعية السكونية والتجرد والجمود، والإصرار على رهانات خاسرة والتبرير، إضافة إلى تضخم الذات، والشعور بالفوقية، والانغلاق على الأنا. فإخفاق الوعي يضع الأمة في زاوية التراجع الحضاري، واللجوء إلى حلول غير واقعية، أو الهروب عنها إلى عالم آخر، تتسلى به عن مشكلاتها الحقيقية، أو تنشغل عنها بأخرى، تنتمي إلى ظروف مغايرة، لا تؤثر إيجابا في حل أزماتها الراهنة.
والإنسان الواعي صاحب موقف( ) فلا يتهيب الممنوع، وإنما يتوغل في الشكّ حتى يفهم الواقع، لا تضلله الشعارات، ولا يُستغل، وإنما هو إنسان مرهف الحس، قلق، متوثب، يصغى ليدرك، ويناقش ليفهم، ولا يتحرك إلا عن قناعة ورؤية واضحة؛ لذا هو عقبة كأْداء بوجه المشاريع الطامعة، التي لا تحقق أي نجاح إلا باستغلال الآخرين، وتزوير الحقائق، والتلاعب بالألفاظ، والتستر بعباءة الدين والوطنية، وغيرهما من المفاهيم التي تخطف أضواؤها أبصار ذوي النوايا الطيبة، والمشاعر الصادقة؛ لذا لا يمكن أن نُطلق مصطلح المثقف على شخص يشكو الشجاعة في التعبير عن آرائه، ولا يستطيع أن يُمارس النقد إلا همسا أو في خلواته، فالشخصية المثقفة الواعية تفترق عن غيرها بوثوقها وقدرتها على قراءة الأشياء وتفسيرها، وممارسة النقد بشجاعة، فكم خسر المسلمون بسبب الخذلان وعدم الشجاعة في بيان الحقيقة! وكم تسببنا في تراكم الأخطاء مداراة للناس وعدم المساس بمشاعرهم، فماذا يترتب على المعرفة والوعي إذا لم يتحولا إلى موقف شجاع يعلن على رءوس الإشهاد، وينفع في إصلاح واقع الأمة!
فالثقافة بمكوناتها الأساسية الثلاثة: المعرفة، والوعي، والموقف هي المسئول الأول عن إصلاح الوسط الاجتماعي والفضاء الفكري. فمسئولية المثقف المجدد تتجه نحو إصلاح الأنساق الثقافية بعد تفكيك مكوناتها، ثم مراجعتها ونقدها بغية تقويمها، في خطوة أولى باتجاه إعادة صياغة البنى الثقافية صياغة تخدم مصالح الدين، فتجديد الفكر الديني هو القادر على جعلنا قادرين على الصمود أمام العولمة، ولا نتوقع وعيا بالمسار الإصلاحي من الجميع، فالحمولة المعرفية لأحادي الثقافة لا تساعده على فقه الواقع ومتطلباته، ويستحيل عليه أن ينشغل بهم التجديد، فهو يُعاني من قصور في الوعي بوجود أزمة مسؤولة عن مظاهر التخلف في مجتمعنا تستوجب ضرورة التجديد؛ لذا فإن تحييد هذا الصنف من الناس يعد بنفسه عملا عظيما، يفتح آفاقا واسعة أمام روّاد الإصلاح. ( )
فالركود أصاب كل مظاهر الحياة بالموت، شعاره ليس في الإمكان أحسن مما كان.. حتى مرحلة رياض الأطفال تربّى بالتلقين والترديد وليس التفكير وإعمال العقول، وتنمية الملكات والانطلاق الإبداعي، فـ “الحقيقة أنّنا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في حاجة إلى ما هو أكثر من التجديد، نحن بحاجة إلى “تثوير” فكري.. وأقصد بالتثوير تحريك العقول بدءا من سن الطفولة؛ فقد سيطرت على أفق الحياة العامة في مجتمعاتنا -سواء في السياسة أو الاقتصاد أو التعليم- حالة من “الركود” طال بها العهد حتى أوشكت أن تتحول إلى “موت”. هذه الظاهرة مشهودة في أفق الحياة العامة، ولا يصح أن نغتر بمظاهر الحيوية الجزئية هنا أو هناك.. في الفنون والآداب بصفة خاصة، فبُؤر الحيوية تلك مثل بقع الضوء التي تكشف المساحات الشاسعة للظلمة. أمّا في مجال الفكر، فاغتراب الفكر غربة المفكرين حالة مشهودة لا تحتاج لإثبات، باستثناء أولئك النقر من المفكرين الذين يحتمون بمظلة سلطة سياسية أو إثنية أو دينية تحوّلهم إلى أبواق تنطق بما يُنفَخ فيها”. ( )
فأوّل الطريق إلى التجديد أن نُدرك شدّة حاجتنا إلى التغيير لمواجهة التحديات والتّغلب على الأزمات التي نعيشها في عالمنا العربي والإسلامي للخروج من حالة الإخفاق الحضاري الذي نعيشه اليوم، الذي يتطلب تجديدا على مختلف المستويات الفكرية الديني منها والاجتماعي والسياسي، فمن أمراضنا المزمنة أننا نُفرّغ كلّ محاولة للتجديد من جوهرها على حد قول نزار “لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية” قشرة تعجز تماما عن إخفاء حقيقة البنية التقليدية التي تجعل حديثنا عن الدولة الحديثة ومؤسساتها ومبادئها لا تعدو عن كونها أمورا شكلية بلا جوهر من هنا تأتي أهمية المراجعة والنقد لجذور البنية التقليدية لا بهدف التكرار أو الإعادة، أو حتى مجرد التسجيل، بل لغاية نقد تلك الجذور، تواصلا معها وانقطاعا عنها في الوقت نفسه؛ إذ لا انقطاع بلا تواصل نقدي مُبدع وخلّاق.
تواصلٌ نُخضع معه التراث الذي نستدعيه من الماضي والحداثة التي نستقيها من الغرب إلى تحليل تاريخي نقدي في عملية وصفها مفكّرون بـ “التواصل الخلّاق” ففكرة المزاوجة بينهما تحت مسميات الأصالة والمعاصرة لم تُنتج سوى حالة من التلفيق -على حد تعبير مفكرين مثل نصر وعيّاد- فمنذ عقود ونحن نتحدث عن ثنائية الغرب” المادي العلمي المتقدم والمفلس روحيا، مقابل “الشرق” المتخلف ماديا وعلميا والغنى روحيا التي انكشف جليا زيفها، وأنها لا تعدو عن كونها تعزية للنفس عمّا صار إليه الشرق من إفلاس روحي ومادي.
The post تحدّيات على طريق الإصلاح(10) ضمور المكون الثقافي appeared first on أصوات أونلاين.
]]>The post الخزانة الأمريكية تقترح اتخاذ إجراء خاص.. ضد عمليات بنك مصر في الإمارات appeared first on أصوات أونلاين.
]]>ويستهدف الاقتراح منع المؤسسات المالية الأمريكية، من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة مصرفية لصالح بنك مصر الإمارات، أو استخدام حساباتها للمراسلة في إجراء معاملات تمر عبره. ومن المقرر أن تستمر فترة تلقي التعليقات -على الاقتراح- حتى الأول من أكتوبر 2026. وبالتالي فإن الباب لا يزال مفتوحا أمام تعديل الإجراء أو التراجع عنه أو تحويله إلى قاعدة نهائية.
وقد صرّحت الشبكة إنها رصدت، خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 إلى يونيو 2026، معاملات تبلغ قيمتها نحوا من 1.8 مليار دولار، جرى تنفيذها عبر فروع بنك مصر في الإمارات، وارتبطت بأكثر من مئة كيان، تعتبرها السلطات الأمريكية جزءا من شبكات “الظل المصرفي” الإيرانية. وقالت “FinCEN”: إن نحوا من 520 مليون دولار من هذه المعاملات جرى خلال آخر عام من الفترة التي خضعت للدراسة، وهو ما تستخدمه لتأكيد أن الأمر -وفق تقييمها- ليس قديما أو منتهيا، وإنه نشاط استمر حتى العام الجاري.
وشملت الوثيقة الأمريكية أسماء عدد من الشركات تعتبرها جزءا من الشبكة الإيرانية. من بينها شركة Alpa Trading FZCO، التي تقول واشنطن إنها استخدمت في تحويل الأموال لشراء منتجات لصالح جهات إيرانية، من بينها وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني. ووفق الوثيقة، عالج بنك مصر الإمارات أكثر من 32 مليون دولار من معاملات الشركة بين عامي 2024 و2025.
لم تكتف الخزانة الأمريكية بالقول إن شركات مرتبطة بشبكات إيرانية استخدمت بنك مصر الإمارات؛ بل ترى أن أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإجراءات معرفة العميل لدى البنك لم تكن كافية، لمنع هذه العمليات أو اكتشاف طبيعتها الحقيقية. إن أخطر ما يمكن أن ينطوي عليه الأمر، ليس الرقم المالي الوارد في البيان (1.8 مليار دولار) وإنما اقتناع الجهات الأمريكية بأن المشكلة هيكلية أو متكررة في نظام البنك.
لا تكمن قوة الإجراء الأمريكي في قدرته على إغلاق فروع بنك مصر أو مصادرة أمواله، وإنما في قدرة الولايات المتحدة على التحكم في الوصول إلى شبكة المراسلة المصرفية بالدولار. وبحسب الوثيقة الأمريكية، يمتلك بنك مصر الإمارات علاقات مراسلة مباشرة مع مؤسسات مالية أمريكية. وعلاقات المراسلة هذه هي أحد الممرات الأساسية التي تُمكّن البنوك الأجنبية من إجراء معاملات بالدولار، وتسوية المدفوعات المرتبطة بالتجارة الدولية.
فإذا أصبح الإجراء نهائيا-مطلع الشهر القادم- فإن المؤسسات الأمريكية لن تتمكن من الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالح بنك مصر الإمارات، كما ستواجه قيودا على استخدام حساباتها للمراسلة الأجنبية في معاملات تمر عبره. وبالتالي فإن التأثير الحقيقي لا يتمثل في منع البنك من العمل، وإنما في تضييق قدرته على الوصول المباشر إلى البنية المالية الأمريكية. وهو ما يرفع تكلفة المعاملات الدولية ويزيد من متطلبات الامتثال، ويجعل بعض البنوك الأجنبية أكثر تحفظًا في التعامل معه.
وفي بيان له أكد بنك مصر أن ما صدر عن الخزانة الأمريكية.. هو إجراء مقترح وليس قرارا نهائيا، وأنه يراجع المعلومات الواردة في الوثيقة، ويتواصل مع السلطات الأمريكية، تمهيدا لتقديم رده واتخاذ الإجراءات اللازمة. وشدد البنك على أن الإجراء المقترح لا يشمل بنك مصر في مصر أو فروعه في الدول الأخرى، وأن فرعه الإماراتي يواصل نشاطه وفق القواعد والضوابط المعمول بها. وأكد البنك المركزي المصري أن الإجراء يقتصر على معاملات فرع بنك مصر بالإمارات مع المراسلين بالدولار الأميركي فقط. وقال في بيان إن “أثر أي من تلك الاجراءات لا يمتد إلى أي من بنوك القطاع المصرفي المصري بما فيها بنك مصر بجمهورية مصر العربية أو أي من فروعه الخارجية الأخرى”. وأضاف المركزي أن اتصالات جارية مع الجانب الأميركي بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية بشأن هذه الإجراءات، مؤكداً في الوقت نفسه قوة وصلابة القطاع المصرفي المصري.
كما أعلن البنك المركزي الإماراتي إجراء مراجعة خاصة وعاجلة للمعاملات محل التي ورد ذكرها في المقترح، مع التركيز على الشركات التي ورد ذكرها في الوثيقة الأمريكية.
فهل تستطيع القاهرة وأبوظبي، إقناع واشنطن بأن ما حدث كان قصورا محدودا في التحقق من بعض الحسابات، أم أن هناك بالفعل خللا مؤسسيا في القنوات التي يستخدمها بنك مصر الإمارات في مراسلاته المصرفية، وتعاملاته المالية الدولية؟
The post الخزانة الأمريكية تقترح اتخاذ إجراء خاص.. ضد عمليات بنك مصر في الإمارات appeared first on أصوات أونلاين.
]]>The post جريمة النقد الفني.. في زمن الـ (قشطة يابا ودباديبو) appeared first on أصوات أونلاين.
]]>بالفعل صوت مصطفى كامل، من أسوأ وأردأ الأصوات، التي سمعتها في السنوات الأخيرة، وربما في حياتي كلها، ولا يصلح أبدا للغناء، هو كاتب أغاني جيد وقدم أعمالا ناجحة مع مطربين كبار، ربما نجاح كلماته هو ما جعله يغني، على طريقة أنا أولى بالنجاح من غيري، ما دمت أنا صانعه وسببه.
ليرد كامل بأن الشناوي بلا قيمة، وكل دوره في الحياة إهانة رموز الفن بمصر وهو منهم، وأضاف أنه قدّم لمصر الكثير، عندما كتب ولحن أغنية “تسلم الأيادي” التي حارب بها تنظيم الإخوان، وان ما يفعله الشناوي بهدم رموز الفن بمصر- هو مساعدة للتنظيم في تحقيق أهدافه، كما طالب كامل الجهات العليا بوقف تنفيذ هذا المخطط، ومنع إهانة رموز الغناء والشخصيات العامة.
فجأة تحوّل الشناوي من ناقد يمارس عمله، أو حتى حقه بصفته مواطنا في إبداء رأيه في منتج فني موجه للجمهور من الأساس وهو صاحب الحق الأصيل في تقييم العمل والمطرب، اعتقد كامل أن منصب نقيب الموسيقيين يمنحه حصانة من النقد أو أغنية تسلم الأيادي (المسروقة كلماتٍ ولحنا) منحته حصانة تجعله فوق النقد والتقييم!
وعلى الخط دخل المطرب مصطفى قمر لدعم زميله مصطفى كامل وبحثا عن فرصة للثأر من الشناوي الذي انتقد فيلمه المتواضع “أولاد حريم كريم” قبل سنوات، وقتها أيضا شن قمر هجوما كبيرا على الشناوي ودعمه كامل.
رغم أن الفيلم بالفعل متواضع جدا في كل عناصره، وقمر المطرب هو سبب نجاح قمر الممثل المتواضع، وبعد خفوت نجم المطرب تراجع وفشل الممثل، وقمر شأنه شأن فنانين كُثر عندما تفشل أعمالهم يبحثون عن أسباب للفشل بعيدة عنهم، منها أن الناقد الفلاني هاجم الفيلم وساعد في فشله، أو أن هناك حربا على السوشيال ميديا ضد الفيلم، رغم أن كلها آراء في العمل من جمهور مارس حقه الطبيعي فقط. ليتحول الرأي والنقد الفني إلى جريمة تستوجب العقاب، ويوصف الرجل بأبشع الصفات والتهم.
أزمة مطربي وفناني هذا الزمن، هو انعدام الوعي والثقافة، التي تجعلهم يعرفون أن النقد الفني جزء من الحركة الفنية، ولا غنى عنه وأن تراجع النقد يؤثرا سلبا على العملية الفنية بالكامل، الأزمة أنهم يعتقدون أن أي رأي سلبي تجاه أعمالهم، هو تطاول شخصي وتجاوز في حقهم وكراهية لهم.
ولو عُدنا للخلف، ورأينا كيف كان يتعامل كبار فنانينا مع النقد، لشعرنا بالخجل مما وصلنا له، على سبيل المثال.. شنَّ الناقد الكبير الراحل سامي السلاموني هجوما -استمر لسنوات- على مخرج الروائع حسن الإمام، واصفا إياه بمخرج الراقصات ومخرج المؤخرات؛ بل جعله رمزا للإسفاف! حسن الإمام مخرج (الثلاثية، زقاق المدق، أميرة حبي أنا، حب وكبرياء، حكايتي مع الزمان، بائعة الخبز، وبالوالدين إحسانا) يصبح رمزا للإسفاف؛ لمجرد أنه لا ينتمي لتيار اليسار الذي ينتمي له السلاموني، أو لأن أعماله لا تعجب السلاموني، ومع ذلك لم يرد حسن الإمام على كل هذا بل التزم الصمت معتبرا نجاح أفلامه أبلغ رد، وأن رأي السلاموني السلبي أمامه آلاف الآراء الإيجابية من الجمهور وشباك التذاكر، ولم يعلن أنه رمز من رموز مصر مطالبا الجهات العليا بحمايته ومنع الناقد من الهجوم عليه كما فعل كامل.
نفس الحال عندما هاجم السلاموني المخرج حسام الدين مصطفى واصفا إياه بأبشع الصفات هو وأفلامه، لم يخرج علينا حسام الدين مصطفى مخرج (السمان والخريف، والطريق، والنظارة السوداء، وأدهم الشرقاوي، والرصاصة لاتزال في جيبي، والشيماء) بأنه رمز لا يجوز نقده أو أنه أخرج “الرصاصة لا تزال في جيبي”، العمل الذي جسّد بطولات الجيش المصري، وأن الهجوم عليه هو هجوم على البطولات ولا طالب بمنع السلاموني من النقد، كل ما فعله أن جعل أي لص أو رئيس عصابة في أفلامه، اسمه السلاموني لينال عقابه من البطل ضربا وسبا، ورد السلاموني على ذلك بمقال ساخر، ولم يتوقف عن نقد أفلامه.

والأمثلة كثيرة على فنانين احترموا النقد الفني وآراء النقاد، حتى وإن غضبوا من هذا الرأي لم ينزلقوا للسب والتلاسن كما فعل كامل، احتراما لأنفسهم أولا، قبل احترامهم للنقد والنقاد، ولأنهم يعلمون أن النقد الفني جزء من الحركة الفنية كما قلنا.
أزمة فناني هذا الزمن -ممثلين ومطربين- أنهم اعتقدوا أن اللجان الإليكترونية التي اشتروها والصفحات المجهولة التابعة لهم، والتي تشيد بأعمالهم المتواضعة وتصبغ عليهم أعظم الصفات وكلمات الإشادة – من الممكن أن تحل محل آراء النقاد والجمهور الحقيقي، وأن تؤثر في الرأي الجمعي بالإلحاح والحصار، ونسوا أن هناك جمهور حقيقي أصبح يكتب رأيه بلا خوف أو تردد، وبكل قسوة وتطاول أحيانا، أما النقاد فهم خارج الحملات الممولة، حتى وإن دُجِّنَ بعضهم، وفشل فيلم مصطفى قمر وتراجعه فنيا، والسخرية من حفلات كامل ومن صوته الرديء خير مثال ودليل، أن هناك آراء يجب أن تؤخذ في الاعتبار بعيدا عن الحملات الممولة واللجان المأجورة.
إن انعدام الوعي والثقافة هو أول عدو للفنان، وهو ما يُعجّل بعمره الفني، مهما زاد عدد لجانه وحملاته، والمتابع لتصريحات كامل والفيديوهات المُسربة من اجتماعات النقابة، يدرك مستوى وعيه وثقافته وأيضا تصريحات كثير من الفنانين تفضحهم. قليل من العقل والوعي.. لأنفسكم قبل أي شيء.
The post جريمة النقد الفني.. في زمن الـ (قشطة يابا ودباديبو) appeared first on أصوات أونلاين.
]]>