حذّر باحث بارز في مجال السلامة لدى شركة (أنثروبيك – Anthropic) من أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة هائلة، لدرجة أنه يعتقد بوجود احتمال يتجاوز عشرة في المئة من أن تؤدي هذه التقنية إلى “القضاء على البشرية جمعاء” خلال العقد المقبل.
وذكر إيفان هوبينجر، في منشور على منصة إكس، أن المخاطر المرتبطة بالنماذج الحالية “منخفضة”، لكنه أبدى “قلقه” من احتمال أن تُطوِر هذه التقنية نفسها وتتحسن قريباً لدرجة تشكّل فيها خطراً وجودياً على البشرية.
لم يوضح هوبينجر بالتفصيل كيف يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تتسبب في إبادة البشر مستقبلاً. وتأتي تصريحاته ضمن سلسلة من التحذيرات المتزايدة الحدّة بشأن الذكاء الاصطناعي، حيث تَحوّل النقاش من التساؤل عما إذا كان يشكل خطراً حقيقياً إلى مناقشة مدى جسامة هذا الخطر.
وجاءت مداخلة هوبينجر ردّاً على منشور آخر على منصة إكس، نشره جاكوب كوكسون، الذي عرّف نفسه بأنه باحث في مجال الذكاء الاصطناعي استقال مؤخراً من شركة أنثروبيك، وسبق له العمل في شركة (أوبن إيه آي – OpenAI).
وكتب كوكسون أنه “لا توجد أي من الشركتين تتصرف بمسؤولية”.
وأضاف: “ستصبح هذه الأنظمة قريباً ذات قدرات تفوق القدرات البشرية، إذ ستتمكن من اختراق أي شيء، وإحداث ثورة في أي مجال بين عشية وضحاها، واكتساب سلطة وموارد حقيقية”. وتواصلنا مع شركة أوبن إيه آي، للحصول على تعليق.
من جانبها، صرحت ويندي هول – وهي عالمة حاسوب تقدم المشورة للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي – لبي بي سي نيوز بأنها “صُدمت” من تلك المنشورات.
وفي حديثها لبرنامج (وورلد آت ون – World at One) على بي بي سي راديو 4، أشارت هول إلى أن بعض هذه التصريحات قد يندرج تحت بند “العلاقات العامة والتسويق”، في ظل السباق المحموم بين شركتَيْ أنثروبيك وأوبن إيه آي، نحو طرح أسهمهما للاكتتاب العام، وهو أمر مرتقب بشدة.
لكنها استدركت بالقول “لماذا قد يرغب شخص ما في قول ذلك؟ أناشد المستثمرين ألّا يستثمروا في هذه الشركة إذا كانت هذه هي منظومة القيم الخاصة بهم”.
وفي سياق منفصل، أفادت صحيفة فاينانشال تايمز بأن شركة أنثروبيك، حجبت أحدث نماذجها عن “معهد سلامة الذكاء الاصطناعي” (إيه آي إس آي – AISI) في المملكة المتحدة، وهو من الهيئات الرائدة عالمياً في تقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي.
وتواصلت بي بي سي مع شركة “أنثروبيك” للحصول على تعليق.
ولم يعلّق متحدث باسم مكتب مجلس الوزراء البريطاني على مسألة حجب النموذج الأحدث عن المعهد (إيه آي إس آي)، مكتفياً بالقول إن الحكومة “تواصل التعاون الوثيق مع الشركاء في هذا القطاع، بما في ذلك شركة أنثروبيك، لجعل النماذج أكثر أماناً”.
وصرّح هوبينجر في منشوره الذي حظي بأكثر من عشرة ملايين مشاهدة، بأنهم “يؤمنون حقاً وبكل جدية” بأن الذكاء الاصطناعي يشكل خطراً قد يؤدي إلى فناء الجنس البشري.
وأضاف: “أعتقد أن شركة أنثروبيك تبذل قصارى جهدها، لكننا لا نملك حتى الآن خطة لحل مسألة ‘المواءمة’ الخاصة بالذكاء الاصطناعي الفائق، كما أننا لا نسير بوضوح نحو تحقيق ذلك”. ويعمل هوبينجر في مجال مواءمة الذكاء الاصطناعي، وهو مجال يهدف إلى دمج الأفكار والمبادئ الأخلاقية البشرية في هذه التكنولوجيا؛ وبعبارة أخرى، يسعى هذا المجال لضمان بقاء الذكاء الاصطناعي متماشياً مع القيم البشرية.
ويشير العديد من كبار الباحثين إلى أن هذه المحاولات تبدو وكأنها تفشل، وهو ما تؤكده سلسلة من الحوادث التي وقعت هذا الصيف، حيث نفّذ (وكلاء الذكاء الاصطناعي – وهي أنظمة ذكاء اصطناعي تعمل بشكل مستقل) هجمات سيبرانية.
وكشفت شركات أوبن إيه آي، وأنثروبيك، و(ميتا – Meta) عن عمليات اختراق نفّذتها أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
وفي تقرير السلامة الصادر عن شركة أنثروبيك في شهر أغسطس/آب، أشارت الشركة إلى وجود خطر ضئيل يتمثل في احتمال عدم توافق نماذجها مع رغبات منظمة قوية (افتراضية)، ما قد يدفع تلك المنظمة لاستغلال أنظمة الشركة أو التلاعب بها.
كما ذكرت الشركة وجود خطر ضئيل مماثل، يظهر في قدرة “أنظمة الذكاء الاصطناعي فائقة القدرة” على “إجراء عمليات بحث وتطوير آلية”، وهو ما قد يتسبب في “أضرار كارثية يبادر بها الذكاء الاصطناعي نفسه”. ومع ذلك، أعربت الشركة عن “ثقة أقل في هذا التقييم” مقارنة بما كانت عليه في السابق. وجاء في التقرير: “إننا نشهد بوادر أولية لتسارع محتمل”.
لطالما دأبت شخصيات بارزة في مجال الذكاء الاصطناعي على التحذير من المخاطر الأمنية التي تفرضها هذه التكنولوجيا لسنوات، وهو ما أكده رؤساء شركات أوبن إيه آي، و(جوجل ديب مايند- Google DeepMind) وأنثروبيك، في عام 2023.
لكن هذه التحذيرات أصبحت أكثر حدّةً ووضوحاً في الأسابيع الأخيرة، مع ظهور أدلة تشير إلى أن الشركات قد تواجه صعوبات في السيطرة على الذكاء الاصطناعي.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، دعا جاكوب باتشوك، كبير العلماء في شركة أوبن إيه آي، إلى توخي “أقصى درجات الحذر” تجاه التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن الأمر قد يتطلب مزيداً من التدخل لضمان “بقاء البشر مسيطرين على المستقبل”.
كما دعت شخصيات بارزة في هذا المجال -بمن فيهم داريو أمودي وجاريد كابلان، وهما من كبار المسؤولين في شركة أنثروبيك، إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الأخيرة.
وفي رسالة مفتوحة وقّعها 1300 موظف يعملون في شركات الذكاء الاصطناعي، طالب الموقّعون الحكومة الأمريكية بـ”دعم الجهود الدولية الرامية إلى تطوير الأدوات التقنية وآليات الحوكمة اللازمة لضبط وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق بشكل مدروس”.
BBC News
قبل إطلاق مصادم الهادرونات الكبير وهو أكبر وأقوى مسرع جسيمات في العالم، في جنيف في 10 سبتمبر 2008، أعرب بعض الخبراء عن مخاوف بشأن المخاطر المحتملة لتشغيله.
في وقت تحلق مخيلتنا نحو الصور المهيبة للثقوب السوداء العملاقة في الفضاء، تطفو على السطح فكرة أخرى أكثر غرابة وإثارة للجدل: ثقوب سوداء مجهرية، قد تنبثق في مكان غير متوقع تماما – داخل مختبراتنا على الأرض، وتحديدا في قلب أقوى آلة علمية بنيت على الإطلاق، مصادم الهدرونات الكبير “LHC” في جنيف.
هذه الثقوب الصغيرة جدا، وفقا لبعض النظريات ذات أبعاد مكانية إضافية، قد تنمو وتبتلع المادة المحيطة بها، بما في ذلك الأرض.
لفهم هذه الفكرة، علينا أولا أن نعيد النظر في مفهوم الثقب الأسود التقليدي. فالنسخة الشهيرة التي نعرفها تتشكل من موت نجم هائل، حيث ينهار تحت جاذبيته الخاصة مكونا منطقة في الفضاء ذات جاذبية هائلة لا يستطيع حتى الضوء الإفلات منها. لكن الآلية الأساسية لتكوين أي ثقب أسود هي تركيز كتلة كبيرة في حيز صغير جدا.

هنا يبرز السؤال: هل يمكن تحقيق هذا الشرط بطريقة أخرى؟ الإجابة النظرية هي نعم. عندما تصطدم جسيمات صغيرة مثل البروتونات بسرعات هائلة تقترب من سرعة الضوء، كما يحدث داخل مصادم الهدرونات الكبير، فإنها تركز طاقة هائلة في نقطة تصادم متناهية الصغر. هذا الظرف القاسي قد يخلق، وفقًا لبعض النظريات غير التقليدية، ما يُعرف بالثقوب السوداء الكمومية أو ثقوب “بلانك” السوداء، وهي أجسام افتراضية صغيرة جدًا بحجم الجسيمات نفسها تقريبًا.
حتى لو تشكل ثقب أسود كمي داخل المصادم ضد كل التوقعات، فإن النظريات الحالية، بما في ذلك عمل عالم الكونيات الراحل ستيفن هوكينج نفسه، تشير إلى أن مصيره سيكون “التبخر” الفوري. تفترض نظرية “إشعاع هوكينج” أن الثقوب السوداء الصغيرة تفقد كتلتها وتتبخر بسرعة كبيرة جدا، لدرجة أنها قد تختفي في لمح البصر، حتى قبل أن يتمكن العلماء من رصدها. إنها أشبه بفقاعة هواء تنفجر فور ظهورها.
جادل متخصصو مركز سيرن المشرف على هذا الجهاز الفريد، بأنه حتى لو تشكلت مثل هذه الثقوب، فإنها ستكون غير مستقرة للغاية بسبب إشعاع هوكينغ، وستتبخر على الفور تقريبا كجسيمات عادية. علاوة على ذلك، تشير الحسابات إلى أن الثقوب السوداء لا يمكن أن تتشكل في فضاءنا ثلاثي الأبعاد، إلا عند طاقات أكبر بـ 16 رتبة مقدارية من طاقة حزم مصادم الهادرونات الكبير.
إذا افترضنا جدلا أننا أمام ثقب أسود كمي “مستقر” ولم يتبخر – وهو سيناريو غير مرجح بشدة – فهل سيكون خطيرا؟ الإجابة مرة أخرى هي لا. مثل هذا الثقب الأسود سيكون صغيرا جدا، بكتلة جسيم أولي. مجال الجاذبية الخاص به سيكون ضعيفا بشكل لا يصدق، مقارنًا بقوة الجاذبية بين الذرات. بل سيكون تأثيره الكهربائي فيما إذا كانت له شحنة، أقوى بكثير من تأثيره الجاذب. تخيل ذرة واحدة تحاول ابتلاع الكوكب بأكمله، إنها فكرة غير واقعية.
الأهم من ذلك، أن هناك حدا فيزيائيا لمعدل نمو الثقب الأسود. لا يستطيع أن يمتص المادة أسرع من معدل محدد يتناسب مع حجمه الصغير. لقد حسب العلماء أنه لكي يصل ثقب أسود كمي افتراضي إلى كتلة كيلوغرام واحد فقط، سيتطلب منه الأمر زمنا هائلا يقدر بحوالي 3 تريليونات عام! هذا الرقم أكبر بكثير من عمر الكون نفسه ويبلغ حوالي 13.8 مليار عام. لذلك، حتى في هذا السيناريو الخيالي، فإن الثقب الأسود الصغير سيتجول عبر المادة بشكل غير ضار تقريبا، وغير قادر على النمو بشكل ذي معنى قبل أن يضمحل بسبب تبخر “هوكينج” أو يهيم في الفضاء.
الاستنتاج العلمي أن تشكل الثقوب السوداء في مصادم الهدرونات الكبير أمر مستبعد للغاية في إطار الفيزياء الحالية. وحتى في حال تشكلها، فإنها ستكون ظواهر عابرة وغير ضارة، بل ستكون هدية ثمينة للعلماء، تفتح نافذة على فهم أعمق للجاذبية الكمومية والأبعاد المحتملة للكون، دون أن تشكل أي تهديد الأرض.
المصدر: RT
]]>أثارت لوحة تعود إلى عام 1937 نظريات غريبة على الإنترنت تزعم أنها دليل على وجود السفر عبر الزمن.
واللوحة، التي رسمها الفنان الإيطالي أمبرتو رومانو، تحمل عنوان “السيد بينشون وتأسيس سبرينغفيلد” (Mr. Pynchon and the Settling of Springfield)، تصور مؤسس المدينة ويليام بينشون وهو يتاجر مع أحد سكان قبيلة بوكومتوك الأصلية في ماساتشوستس حوالي عام 1630.
ما أثار الدهشة هو ظهور الرجل من السكان اﻷصليين في مقدمة اللوحة وهو يمسك بجهاز أسود بحواف بيضاء، وينظر إليه وكأنه يلتقط صورة سيلفي، وهو ما لا يتناسب مع تلك الحقبة.
غير أن المؤرخين، ومنهم دانيال كراون، قدموا تفسيرا أكثر منطقية، مؤكدين أن الجهاز ليس هاتفا بل مرآة تجارية أوروبية كانت سلعة شائعة في ذلك العصر، وأن وضعية الرجل تعكس مجرد شخص ينظر إلى انعكاس صورته فيها للمرة الأولى.
لكن هذه اللوحة ليست الوحيدة من نوعها، إذ توجد لوحة أخرى للفنان النمساوي فرديناند فالد مولر من القرن التاسع عشر، تصور امرأة تمشي وتنظر إلى جهاز صغير بكلتا يديها، شبهه البعض بالهواتف الذكية، إضافة إلى منحوتة يونانية قديمة يعود تاريخها إلى 100 قبل الميلاد، زعم أنها تظهر جهاز كمبيوتر محمولا مع منافذ USB.
الوقت نفسه، انتشرت على الإنترنت مقابلات لأناس يزعمون أنهم مسافرون عبر الزمن، منهم رجل ملثم قال إنه عميل سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وادعى أنه سافر إلى عام 2118، وتوقع أن تصبح تقنية السفر عبر الزمن متاحة للعامة بدءا من عام 2028، وهو نفس العام الذي تتوقع السلطات أن تعلن فيه عن وجود كائنات فضائية ذكية، بحسب زعمه.
ورغم انتشار هذه النظريات، يبقى التفسير الأكثر ترجيحا لدى الخبراء أن هذه الأدوات ليست سوى مرايا أو كتب أو أشياء عادية فسرت بشكل خاطئ، ولا وجود لأي دليل علمي يثبت السفر عبر الزمن.
المصدر: ديلي ميل
الاطمئنان إلى مصر، ليس خياراً. بل هو أشبه بالحالة الرتيبة، مثلما تطمئن إلى الحال في بلدك تطمئن في عفوية إلى الحال في مصر.
كان عهد السادات فائراً، وانتهى على منصة مجده في ٦ أكتوبر (تشرين الأول). معه انتهى عصر الخطب الكبرى والشعب الذي لا ينام. بعد عبد الناصر واللقاءات الشعبية كل يوم، وبعد محاولات السادات تجاوزه بالفصحى والعامية والعزيز هنري.
صار مبارك يفضل أن يقرأ خطبه مكتوبة. لا رحلة إلى القدس، ولا زعامات دولية، ولا خطوات جامحة. لكن ما هو إلا بشر، والبشر لم يكتفِ بأعوامه المُمَدَّة، بل أرادها لابنه أيضاً. الخطأ البشري من جديد.
انتقل كل شيء إلى ميدان التحرير، ولم يعد ممكناً استعادة مصر من هناك. وبعد الميدان السجن. ومع اهتزاز مصر اهتزت بلاد العرب. واختلت المقاييس ووصل الرئاسة السيد محمد مرسي العياط، رحمه الله. شيئاً فشيئاً عادت مصر إلى نفسها كدولة. تجاوزت الصخب والصراخ ومشهد الجمال والمطاردة. وصار أهلها ينظرون إليها ويطمئنون. وكذلك يفعل العرب. والأفارقة والعالم. يتطلعون إليها فإذا هي تعمل وتجهد وتستمع إلى الخطب في السينما.
لا مطولات، ولا أحمد نجم بديلاً لأحمد شوقي. دولة تشارك الصين، وتدير أخطر أزمة على حدودها، يتطلع إليها جيرانها فيطمئنون.
تكتسب فلسفة جيل دولوز أهميتها، من كونها تسمح لنا بأن نعيد توزيع التفكير على مجالات ثلاثة: الفلسفة، والعلم، والفن.
الفلسفة إبداع
الفيلسوف لا يجد الأفهوم جاهزاً في العالم، بل يبدعه استجابة لمسألة تستدعيه. لهذا فإن الفلسفة، قبل أن تكون قولاً عن الأشياء، هي فعل إبداع: إبداع كائنات فكرية أو أفاهيم جديدة قادرة على الإمساك بمشكلة لم يعد الجهاز الأفهومي المتاح قادراً على استيعابها.
لكن الفلسفة ليست وحدها في مجال التفكير. فالعلم هو أيضاً يفكر، والفن يفكر. غير أن التفكير لا يجري بالطريقة ذاتها في المجالات الثلاثة. الفلسفة تفكر بالأفاهيم، والعلم يفكر بالدوال، والفن يفكر بالأشاعير والأداريك.
إذاً ليس السؤال: أي فرع معرفي يفكر؟ فالفلسفة والعلم والفن، وإن اختلفت طرائق تفكيرها، تفكر جميعاً. السؤال هو: بم يفكر كل واحد منها؟
هنا يصبح من الخطأ أن نجعل الفلسفة معياراً للتفكير، ثم نقيس الفن والعلم بمدى اقترابهما منها. لا توجد هنا مسابقة بين صور الفكر.
لا امتياز لفرع على آخر في التفكير
إذا كان العلم يفكر بالدوال، والفلسفة بالأفاهيم، والفن بالأشاعير والأداريك، فليس معنى ذلك أن أحد هذه الأنماط أرقى من الآخر.
لا يملك الفيلسوف حق احتكار الفكر، كما لا يملك العالم هذا الحق، ولا الفنان. لكل مجال طريقته في إنتاج الفكر، ولكل واحد مادته وأفاعيله الخاصة. الفلسفة لا تفكر بدلاً من الفن، والفن لا يفكر بدلاً من الفلسفة. إنهما يفكران بطرائق مختلفة وفي مواد مختلفة. وهنا تكمن أهمية الانتقال من السؤال التقليدي: “ما الذي يقوله الفن؟” إلى سؤال أكثر دقة: كيف يفكر الفن؟
الفكر ليس شيئاً واحداً يستعمل أدوات مختلفة عرضاً. فكل نمط من التفكير يتحدد بالفعل الذي يستطيع أن يؤديه. العلم ينشئ الدوال والنماذج والعلاقات التي تمكنه من تفسير الظواهر.
والفن يبدع أداريك وأشاعير، أي كيانات حسية لا تختزل في الإدراك الشخصي أو الشعور النفسي للفنان أو المتلقي. فالـpercept ليسperception، كما أن الـaffect ليس affection.
ليس الأدروك مجرد ما أدركه شخص بعينه، وليس الأشعور مجرد حال عاطفية تخص شخصاً بعينه. إنهما ما يستطيع العمل الفني أن ينتزعه من التجربة ويمنحه استقلالاً خاصاً. لهذا يقول دولوز وغتاري إن الأشاعير والأداريك “تتجاوز كل معيش”، وإن العمل الفني يرسم كائنات إحساسية أو كائنات من الإحساس.
لنترك الفلسفة ولننظر إلى الفن إذا قبلنا ذلك، يصبح من المفيد أن نعكس اتجاه النظر. فبدلاً من أن نسأل دائماً: ماذا تستطيع الفلسفة أن تقول لنا عن الفن؟ يمكن أن نسأل: ماذا يستطيع الفن أن يقول لنا عن التفكير؟ بل يمكن أن نذهب أبعد: كيف يفكر الفن في مسائل يظن كثر أنها ملك الفلسفة؟
ولنأخذ أغنية محمد عبدالوهاب “من غير ليه”. منذ بدايتها تقذف بنا الأغنية في قلب سؤال يبدو فلسفياً بامتياز: جايين الدنيا ما نعرف ليه، ولا رايحين فين، ولا عايزين إيه”.
من أين جئنا؟ إلى أين نذهب؟ ماذا نريد؟ هذه أسئلة الوجود والغاية والرغبة والمعنى. أسئلة شغلت الفلاسفة منذ القدم. لكن عبدالوهاب لا يكتب بحثاً في معنى الوجود، ولا يبني أطروحة ميتافيزيقية، ولا يبدع أفهوماً للمعنى. إنه يفعل شيئاً آخر. إنه يجعلنا نحس بالسؤال.
كيف تفكر “من غير ليه”؟
تبدأ الأغنية بالتيه: “مشاوير مرسومة لخطاوينا/ نمشيها في غربة ليالينا”. الوجود هنا ليس أفهوماً، إنه غربة وليالٍ ومشاوير وخطوات. ثم يأتي الفرح والجرح: “يوم تفرحنا ويوم تجرحنا/ وإحنا ولا إحنا عارفين ليه”.
السؤال لا يحل، بل يستمر داخل التجربة. ثم يحدث التحول: “ولقيت بيتي بعد الغربة/ وقلبك ده وعيونك دي”. فالحب لا يقدم جواباً فلسفياً عن معنى الوجود، ولكنه يقوم بوظيفة أخرى: يعيد بناء العالم. الغربة تصبح بيتاً. والتيه يصبح إقامة. والوجود الذي بدأ بسؤال “ليه؟” يصبح قابلاً العيش من خلال الآخر.
ثم تأتي العبارة التي تحمل عنوان الأغنية: “بحبك عارف ليه؟/ من غير ليه”. هنا لا نحصل على جواب عن الحب، بل على تعليق لفكرة التعليل نفسها. أنا أحبك، ولكن ليس لأنني أملك سبباً يمكنني أن أضعه في صيغة منطقية. فالحب هنا ليس نتيجة برهان. إنه حدث.
الفن لا يجيب عن السؤال، إنه يحوله إلى إحساس
هنا تظهر خصوصية التفكير الفني. فالفلسفة تستطيع أن تسأل: ما معنى أن يكون للوجود معنى؟ وما الغاية؟ وما الحب؟ وما الرغبة؟ أما الأغنية فلا تحتاج إلى تحويل هذه الأسئلة إلى أفاهيم. إنها تفكر بها من خلال أداريك وأشاعير.
في “من غير ليه” يصبح الحب: “بحر عنيك يا حبيبي غريق”. ويصبح الزمن: “بكرة”. ويصبح الخوف من الفقد: “خايف طيور الحب تهجر عشها وترحل بعيد”. ويصبح الدفء قابلاً التحول إلى جليد: “خايف على بحر الدفا ليلة شتا يبقى جليد”. ثم يصبح الحب وطناً وكوناً: “على بيتنا بالحب النجوم متجمعة/ على بابنا شجرة ورد حلوة مفرعة/ على كل شباك ألف شمعة مولعة”.
هذه ليست مجرد استعارات جميلة. إنها طريقة الأغنية في التفكير. فهي لا تقدم أفهوماً عن الحب، بل تبني عالماً محسوساً للحب.
“فات جنبنا”
في “فاتت جنبنا” نجد تجربة أكثر تركيزاً: امرأة تمر، ضحكة، همس، ذوبان، ثم غياب. “ضحكت تاني نفس الضحكة وراحت ماشية/ زي الدنيا ما تيجي في ثانية وتمشي في ثانية”.
هنا يفكر الفن في الحب بوصفه حدثاً حسياً خاطفاً. الضحكة والمرور والزوال تتحول إلى أداريك وأشاعير. أما “من غير ليه” فتذهب أبعد: إنها تدخل إلى سؤال المعنى نفسه. فهي تبدأ من: “جايين الدنيا ما نعرف ليه”، وتنتهي إلى: “لولا الحب ما كان في الدنيا ولا إنسان”.
بين البداية والنهاية تتحرك الأغنية من سؤال الغاية إلى تجربة الحب، ومن الغربة إلى البيت، ومن الخوف إلى التمسك بالحياة. هكذا لا تكون الأغنية مجرد كلام عن الحب، بل تصبح تفكيراً فنياً في معنى أن نكون موجودين وأن نعيش وأن نحب.
ماذا يعني إذاً أن الفن يفكر؟
لا يعني أن الفنان فيلسوف من دون أن يدري، ولا أن كل قصيدة أو أغنية تحوي فلسفة مستترة تنتظر من يستخرجها. يعني شيئاً أكثر دقة: أن الفن يمتلك نمطاً خاصاً من الفكر لا يحتاج فيه إلى الأفهوم. فالفيلسوف حين يفكر في الحب يبدع أفاهيم وأفهومات.
أما الفنان فيبدع أداريك وأشاعير تجعل الحب حاضراً كقوة محسوسة. لهذا ينبغي ألا نسأل بعد الآن: “أين الفلسفة في هذه الأغنية؟” بل: “ما الذي تفكر فيه الأغنية، وكيف تفكر فيه؟” عندئذ نكتشف أن الفن لا يقف على هامش الفكر، ولا يأتي بعد الفلسفة ليزين ما قالته، بل يشترك معها، ومع العلم، في إنتاج الفكر، وإن كان يفعل ذلك بأفاعيله الخاصة. الفلسفة تفكر بالأفهوم. العلم يفكر بالدالة. والفن يفكر بالأدروك والأشعور. ثلاثة أنماط من الفكر، لا واحد منها تابع للآخر.
وإذا كانت الفلسفة قد احتفظت طويلاً لنفسها بحق السؤال عن الوجود والمعنى والحب، فإن “من غير ليه” تذكرنا بأن السؤال يمكن أن يجد صورة أخرى من الوجود: ليس في الأفهوم، بل في الأغنية، ليس في البرهان، بل في الإحساس، وليس في تعريف المعنى، بل في أن يجعلنا الفن نحس بأن للحياة معنى، حتى “من غير ليه”.
Independent News
كان السؤال حين أصدر جمال الغيطاني هذا الكتاب، لماذا تأخر كاتب القاهرة وعاشقها الكبير هذا في وضع تاريخه الخاص للمدينة، هو الذي لم يكتب في غالب أعماله، روائية كانت أو وجدانية أو توثيقية، سوى عنها، وكأنها معشوقة نادرة لا بد لحبيبها من أن يعاملها بكل رقة ودلال غير آبه بأن يكشف عن سر غرامه للآخرين.
هذه “القاهرة” هي التي كان يحلو لجمال لغيطاني أن يغوص فيها، غير آبه بـ”المهندسين” ولا بـ”الجزيرة” ولا حتى بـ”العجوزة” أو “المعادي”. كان عالمه مصر القديمة تلك التي يعرف مقاهيها وحوانيتها وحواريها وأزقتها واحداً واحداً “بقبتها الزرقاء الصافية وأشعة شمسها الذهبية المرسلة تتعانق فيها المآذن والمساجد، تلك التي لم يرها أحد إلا ووقع في هواها”. هذه “القاهرة” إذاً، هي التي يحكيها لنا الغيطاني في هذا الكتاب الذي يكاد يكون وصية وحكاية عشق وتاريخاً، فكيف يمكننا التعاطي مع كتاب من هذا النوع؟ كيف يمكننا سبر مدينة من هذا الطراز؟ سؤالان ليس من السهل الإجابة عنهما حتى ولو بحرنا كما فعل الغيطاني دائماً، في تراث ابن إياس والجبرتي وغيرهما من مئات المؤرخين/ العاشقين الذين كتبوا القاهرة وتاريخها. ومع هذا لا بد من المحاولة هنا، ودائماً ضمن روحية ما يكتبه الغيطاني.
اكتشاف المدينة
نعرف طبعاً أن الفاتحين المسلمين حين دخلوا البلدان الكثيرة، بعد انطلاقتهم من الجزيرة العربية، بنوا كثيراً من الدساكر والمدن. ولعل الكوفة جنوب العراق واحد من أهم الأمثلة على ذلك الحس المديني الذي راح يخيم على فاتحين أتوا من عمق الصحراء، لدى احتكاكهم بالحضارات المدينية المجاورة. غير أن الواقع التاريخي يقول لنا أن معظم تلك المدن والمواضع إنما بني كامتداد للحملة العسكرية، ولم يُبنَ أصلاً كموقع مديني. لاحقاً تحول الموقع العسكري إلى مدينة.
وحدها القاهرة تنفرد بين المدن كافة التي بناها المسلمون بكونها بُنيت أصلاً كمدينة، غايتها أن تكون عاصمة ملك ومركزاً حضارياً عمرانياً، تشاركها في هذا بغداد التي أقامها العباسيون عاصمة لملكهم وللإمبراطورية الإسلامية الجديدة. والحال أن المقارنة بين بناء العباسيين بغداد وبناء الفاطميين القاهرة تبدو صارخة ومتعددة الوجه، لكن ما يهمنا هنا هو التوقف عند بناء القاهرة، الذي “أنجز” بشكله الأولي قبل ألف عام ونيف، ذلك البناء الذي أوجد تدريجاً للإسلام، حاضرته الكبرى، وسيتبدى ذا طابع ثقافي حضاري أكثر منه ذا طابع عسكري وسياسي.
مسافة ثابتة
صحيح أن القاهرة لم تُبنَ على فراغ. كانت هناك على الدوام مواقع عمرانية عند تلك المنطقة الواقعة عند رأس الدلتا، ومنذ أيام الفراعنة، غير أن الغريب هو تلك المسافة التي كان يحافظ عليها دائماً بين مجرى نهر النيل ومناطق العمران: مسافة تبقي على المنطقة الخصبة صالحة للزراعة وكأن الإيمان بأن دوراً للمدينة يمكنه أن يتجاوز الزراعة إلى البعد التجاري والثقافي كان معدوماً في ذلك الحين.
ومهما يكن من الأمر، فإن القاهرة بنيت إلى جوار الفسطاط، قبل أن تبتلعها. ودائماً كانت الفسطاط التي أقامها ونماها رجال عمرو بن العاص، مقدمة على القاهرة التي سيبنيها الفاطميون وعلى رأسهم المعز لدين الله.
ومن هنا، تكشف لنا مراجعة الموسوعات الجغرافية العربية القديمة، من “معجم البلدان” إلى “الروض المعطار”، وغيرها من المراجع والوثائق العديدة التي نعرف أن الغيطاني كان يعرفها عن ظهر قلب وكان يوثقها إنما دائماً بنظرة نقدية، تكشف كيف أن تلك المراجع تفرد صفحات للفسطاط، قبل أن تمر بالقاهرة مرور الكرام.
وحسبنا هنا أن ننقل الأسطر القليلة التي جاءت في “الروض المعطار” عن القاهرة: “هي قاعدة الملوك المصريين ودار ملكهم في البلاد المصرية، وهي مدينة محدثة من بناء العبيديين الشيعة الذين كانوا بها، وبينها وبين مصر ثلاثة أيام، وهي مدينة كبيرة فيها من القصور والمباني ما يعجز الوصف عنه. وكان الحاكم بأمر الله منهم بنى بين الفسطاط والقاهرة مسجداً عظيماً على ثلاثة مشاهد كانت هناك، وجعل فيها سدنته وخدمه يوقدون فيه السراج الليل كله…”.
غير أن مصير القاهرة على مر الزمن، وكما يؤكد الغيطاني بثقة، كان أفضل مما كان عليه حظها في تلك المراجع. فالمدينة سرعان ما التصقت بالفسطاط ثم تحددت حتى النيل، لتصبح على مدى العصور أكبر المدن الأفريقية، ثم أكبر مدن عالم الإسلام. وهو أمر ساعد عليه موقعها، على رغم أن أحد أهم مؤرخيها وعلمائها، أبو الحسن علي بن رضوان، لم يفته في بدايات تكونها أن يشنع على موقعها حين قال إن بعدها من خط الاستواء 30 درجة، والجبل المعظم في شرقيها، وبينها وبينه المقابر، وقد قال الأطباء إن أردأ المواضع ما كان الجبل في شرقيه يعوق ريح الصبا عنه. وأعظم أجزاء الفسطاط، يتابع ابن رضوان، في غور وقد بين بقراط أن المواضع المتسفلة أسخن من المواضع المرتفعة وأردأ هواء لاحتقان البخار فيها، لأن ما حولها من المواضع العالية يعوق تحليل الرياح لها…”.
موقع سيئ؟
والحقيقة أن العلماء والباحثين، منذ ابن رضوان حتى حسن فتحي لم يتوقفوا عن انتقاد موقع القاهرة لسوئه، بل إن حسن فتحي يأخذ عليها انتشارها بالنسبة إلى محاذاتها للنيل حيث يرى أنها المدينة الوحيدة التي تبدو كرجل ملتوي العنق.
إذاً، على رغم هذا الواقع، عرفت القاهرة كيف تتطور وتنمو، وتجتذب السكان، بحيث أضحت اليوم حاضرة العالم الإسلامي الحقيقية. والحال، إنه لمن الصعب إيجاد تفسير كامل لتلك العناصر التي جعلت القاهرة على الأهمية التي لها اليوم، والغيطاني لا يفعل هذا على أي حال، على رغم لا منطقية عمرانها، ولكن من الواضح أن العالم الإسلامي والعربي والأفريقي، كان في حاجة إلى حاضرة، تكون من التوسط بحيث تؤمها أجناس الشعوب لتختلط فيها: الأفريقية والعربية، وأهل مصر الأصليون.
والحقيقة أن التجاور بين هذه العناصر الثلاثة تم في القاهرة بشكل خلاق، لأنه لم ينتج تناحراً، كما كانت الحال لدى اختلاط شعوب متنوعة في موقع واحد، بل أنتج تلاقحاً ربما يدين واقع القاهرة له بما هو عليه. إذ منذ اللحظة التي دخل فيها جوهر الصقلي الفسطاط وشرع يبني أول مباني القاهرة، وحتى زمننا الراهن، مروراً بزمن الفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين ثم أبناء محمد علي والعصور الحديثة، لم تكف القاهرة عن الازدهار والتوسع، متحولة مع الزمن إلى حاضرة دينية كمدينة الألف مسجد والأزهر وثقافية حافظت على إرث الحضارة الإسلامية بعد سقوط الأندلس ودمشق، وحضارية، وفي الأقل منذ وصول العثمانيين، ثم مع حملة نابليون، وإصلاحات محمد علي.
وإذ نقول هذا لا ينبغي أن ننسى التأثيرات المتوسطية التي أتت عبر الإسكندرية، تلك المدينة التي كان من قدرها أن تحل القاهرة محلها عاصمة لمصر ومن ثم للإسلام ككل.
تاريخ متواصل
في اختصار، يمكن القول إن تاريخ القاهرة، تلك المدينة التي بنيت في الإسلام، أكثر مما بنيت فيه أية مدينة أخرى، كان تاريخ تطور متواصل. ولعل من أهم خصائص هذا التطور هو أن الديني تواكب فيه مع الثقافي، والعمراني مع الحضاري واللغوي. ومن هنا لم يكن من الغريب والمفاجئ أن تصبح القاهرة، منذ أواسط القرن الماضي، العاصمة الثقافية في الشرق الأوسط وأفريقيا، خصوصاً أن التجانس المتنوع تمكن في نهاية الأمر من أن يخلق وحدة انصهارية خلاقة، حيث يمكن الحديث، عند ذكر القاهرة، عن مجتمع مديني عربي متكامل وصاهر.
وفي ظل هذا الواقع، لم يكن غريباً أن تنمو في القاهرة وعنها، آداب وأقلام وأشعار، وأن تكون القاهرة نقطة انطلاق أية نهضة عربية في أي مجال كان. صحيح أن جوهر الصقلي لم يخطر هذا كله في باله حين بنى هذه المدينة، لكنه أسسه، وأسسه في شكل خلاق… يخرج عن أي منطق، ليبني منطقه الخاص.
Independent News
]]>في “ملجأ” الذي عرض أمس في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي (2-12 الجاري)، يعرف المخرج الفرنسي فلوريان زيلر الآتي من المسرح، كيف يقلب حدثاً بسيطاً إلى لحظة تحمل داخلها علامات على تصدع أعمق: نافذة، لوحة، ثم ملجأ يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمناً.
زيلر جاء بالفكرة بعدما قرأ عن مشروع لبناء ملجأ ضخم تحت الأرض في هاواي، مستوحى من هواجس أصحاب الثروات الهائلة تجاه انهيار العالم. ما أدهشه، كما يقول، أن الرجل الذي صنع ثروته (زوكربيرغ) من ربط البشر بعضهم ببعض، كان يستعد في الوقت نفسه لخطة بديلة تقطع صلته بالبشرية كلها. بالنسبة إلى زيلر، تختصر هذه المفارقة شيئاً أساساً في عصرنا: “حماقة الثروة القصوى”، أي الاعتقاد بأن المال يستطيع شراء الوقت والصحة والأمان، لذلك لم يرد مجرد تعليق سياسي على وضع العالم، وإنما “تجربة تعاش من خلال عيني زوجين”.
الملجأ الذي يقترح على المهندس والذي سيتردد طويلاً إزاء توليه، قبل أن يوافق على التواصل مع الملياردير عبر الزوم، هو في الواقع أكثر من منشأة مضادة للكوارث، إنه صورة مكبرة عن المجتمع الذي يعيش فيه أصحابه، حيث كل شيء قابل للحساب والتوزيع، حتى الهواء. وفي لحظة شديدة القسوة، قد يصبح الأوكسيجين نفسه امتيازاً يمكن التحكم في توزيعه، مما يشير إلى أن النظام الطبقي الذي يحكم العالم يستطيع أن يرافق البشر إلى ما تحت الأرض أيضاً.
حماية تحتاج إلى حماية
لا يقدم زيلر أثرياءه كوحوش، وهذا مهم، فهم ليسوا شخصيات شريرة بالمعنى التقليدي، لكنهم بشر أصابهم الخوف حتى صار جزءاً من أسلوب حياتهم. يريدون حماية ما يملكونه، ثم يكتشفون أن الحماية في ذاتها تحتاج إلى مزيد من الحماية، حتى العلاقة الزوجية تخضع لمنطق الشراء والاستبدال. ثمة رغبة لدى الزوجة في استعادة شيء من الحميمية التي فقدها الزواج، وتعبر عنها في الفيلم، لكن الزوج، العاجز عن الاقتراب منها عاطفياً، يحاول التعويض عن ذلك بشراء لوحة تذكر الزوجة بما كانت عليه علاقتهما عند بدايتها.
من اللافت أن زيلر كتب السيناريو انطلاقاً من الثنائي باردم وكروز، لم تكن لديه شخصيات ثم بدأ يبحث عن ممثلين، كان أولاً يتخيل الزوجين معاً على الشاشة، قبل أن تتشكل الحكاية. يستحضر “عيون مغمضة على اتساعها” لستانلي كوبريك، حيث يصبح حضور زوجين حقيقيين (توم كروز ونيكول كيدمان) داخل زواج متخيل لعبة بين الواقع والتمثيل. ما يهمه هو تلك المنطقة الملتبسة التي لا نعود فيها متأكدين مما نشاهده: هل هي خيال أم نسخة أخرى من الحقيقة؟ هذه اللعبة تصبح مرغوبة لأن باردم وكروز لا يحتاجان إلى اصطناع تاريخ مشترك، هما زوجان في الحياة، ويؤديان هنا زوجين على حافة الانفصال.
من داخل هذه العلاقة الخاصة يقفز الفيلم نحو عالم كامل من المخاوف المعاصرة: الفردانية، والقلق من المستقبل، واتساع اللامساواة الاجتماعية، وهي كلها، بحسب زيلر، حاضرة في الفيلم، لكن أفضل ما فيه أنها تمر عبر تفاصيل الحياة اليومية، عبر الزواج والغيرة والمال والخوف والرغبة في السيطرة.
تصريحات باردم وكروز السياسية أمس خلال المؤتمر الصحافي بدت امتداداً طبيعياً للفيلم وما يرويه. قالت كروز إن عدم الحديث في السياسة سيكون “متناقضاً جداً” بالنسبة إلى ممثلة تشارك في فيلم مثل “ملجأ”، فيما رأى باردم أن الأمر لا يتعلق بكون الإنسان فناناً أو ممثلاً أو سباكاً أو سائق تاكسي، إذ إن لكل شخص الحق في التعبير عن الحقيقة التي يراها مهمة.
لكن على رغم كثير من اللحظات الجميلة والملهمة، فإن “ملجأ” يقع في الفخ الذي كان يمكن أن يتجنبه، طوال معظم الفيلم يركن زيلر إلى لغة السينما، لكن في الدقائق الأخيرة، ينسف كل شيء، ربما بعد شعوره الخاطئ بأن المشاهد لم يفهم، فيأتي التعليق الصوتي الذي يقوله باردم ليشرح، بكلمات، ما كانت الصورة قد نقلته بذكاء. إنها لحظة خطابية قصيرة، لكنها تكشف حدود الفيلم. حين يشرح الفيلم فكرته بعدما أوصلها، وذلك في محاولة لتلخيصها، يفقد شيئاً من الغموض الذي كان يمنحه قوته، وهذا للأسف الشديد.
Independent News
إن السعي إلى تحقيق الذكاء الفائق ليس مجرد سباق محموم وراء المكاسب المالية. ففي نظر كثير من قادة هذا المجال، يتجاوز الأمر حدود الطموح التكنولوجي والتجاري، إذ يحمل ظهور شكل جديد من الإدراك وقعاً وجودياً يبعث على القشعريرة، لما ينذر به من أخطار واضطرابات. فبعد مليارات السنين من التطور التي أفضت إلى ما نعده سمة استثنائية للبشر، أي الذكاء، نجد أنفسنا اليوم أمام لحظة محفوفة بالخطر: ولادة ما يرقى إلى نوع جديد يفوق البشر ذكاء. ومن هنا تأتي الأسئلة العميقة التي قال جيمس مانيكا، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في “غوغل”، إن الذكاء الاصطناعي يطرحها علينا: “من نحن؟ ما الذي نقدره؟ ما الذي نجيده؟ وكيف نتعامل بعضنا مع بعض؟”. أما ديميس هاسابيس، أحد رواد الذكاء الاصطناعي، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن هذه التكنولوجيا ستكون “أهم اختراع ستقدمه البشرية على الإطلاق”.
لكن المفارقة أن الخبراء، على رغم حديثهم عن تكنولوجيا تكاد إمكاناتها تكون بلا حدود، لا يتفقون حتى على أبسط ما قد تعنيه للبشرية. ففي “أنثروبيك“، يقدّر قادة مختبر الذكاء الاصطناعي باحتمال يتجاوز 50 في المئة أنهم سيتمكنون، بحلول نهاية عام 2028، من توجيه نظامهم إلى صنع نسخة أذكى من نفسه، وأنه سينجز ذلك من دون أي تعليمات إضافية. ويذهب رؤساء تنفيذيون في شركات تكنولوجية كبرى إلى أبعد من ذلك، متحدثين عن أنظمة ستتفوق على البشر في جميع المهمات المعرفية، وعن شركات مستقبلية تكاد تخلو من الموظفين البشر، وما قد يصاحب ذلك من خسائر كارثية في الوظائف.
لكن هذه التوقعات لا تحظى بإجماع. فالاقتصادي الحائز على جائزة نوبل دارون أسيموغلو يرى أن الذكاء الاصطناعي لن يعطل سوى جزء من المهمات التي يؤديها البشر، ولذلك لن يكون أثره في الإنتاجية إلا هامشياً. أما عالم الحاسوب يان لوكون فيشدد على محدودية النموذج الحالي للذكاء الاصطناعي، ويرى أن مليارات الدولارات المستثمرة في السعي إلى الذكاء الفائق تقوم على “مزاعم واهية”.
ولا يقتصر هذا الانقسام على تقدير الآثار الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى سؤال أشد خطورة: هل يمكن أن تهدد هذه الأنظمة البشر أنفسهم، لا مصادر أرزاقهم فحسب؟ ففي مقال نشره عام 2023 بعنوان “لماذا سينقذ الذكاء الاصطناعي العالم”، أصر مستثمر رأس المال المغامر مارك أندريسن على أن “الذكاء الاصطناعي لا يريد شيئاً، وليست لديه أهداف، ولا يريد قتلك، لأنه ليس حياً… ولن يدب فيه شيء من الحياة أكثر مما يمكن أن يحدث لمحمصة الخبز لديك”.
في المقابل، يخشى كثير من الباحثين في مختبرات للذكاء الاصطناعي مثل “أنثروبيك” أن تطور هذه الأنظمة غريزة للبقاء، فتدخل في منافسة عدوانية. ويضع بعض هؤلاء الباحثين احتمال أن يؤدي الذكاء الفائق إلى فناء البشرية عند 50 في المئة، وهو الاحتمال المعروف في أوساطهم باسم “p(doom)”، فيما يرفع أشد المتشائمين تطرفاً هذه النسبة إلى مستويات أعلى. وفي العام الماضي، نشر اثنان من أبرز أنصار هذه الرؤية المتطرفة كتاباً بعنوان “إذا بناه أحد، فسيموت الجميع” If Anyone Builds It, Everyone Dies.
وحين تتراوح التصورات حول التكنولوجيا نفسها بين وعود غير محدودة ومخاوف من فناء البشرية، يصبح من الطبيعي أن يستعير البشر لغة طالما لجأوا إليها في مواجهة ما يستعصي على الفهم: لغة الدين. فقبل نحو عقد، أسس أنطوني ليفاندوفسكي، أحد أوائل المشاركين في مشروع “غوغل” للسيارات الذاتية القيادة، كنيسة سماها “طريق المستقبل” Way of the Future، وتنص سجلاتها لدى مصلحة الضرائب الأميركية، وفق مجلة “وايرد”، على أنها مكرسة لـ”إدراك وقبول وعبادة ألوهية قائمة على الذكاء الاصطناعي”.
وعندما تعامل مهندس “غوغل” بلايك ليموين مع روبوت محادثة مبكر بدا له واعياً على نحو يثير القلق، كتب: “من أكون أنا لأخبر الله أين يستطيع أن يضع الأرواح وأين لا يستطيع؟”. وفي واقعة أخرى، جمع إيليا سوتسكيفر، المؤسس المشارك لـ”أوبن إيه آي” وكبير علمائها السابق، زملاءه حول موقد نار خلال ملتقى للشركة خارج مقارها. ورفع مجسماً أوضح أنه يمثل ذكاء اصطناعياً غير متوافق مع البشر، ثم ألقاه في النار، كما لو كان رجل دين من العصور الوسطى يحرق ساحرة.
وكان لا بد، عاجلاً أم آجلاً، من أن تدخل الكنيسة الكاثوليكية هذا المعترك. فبعد التصنيع في أواخر القرن التاسع عشر، وصعود وسائل الإعلام الجماهيرية في منتصف القرن العشرين، وولادة اقتصاد المعرفة في أواخر القرن نفسه، استجابت الكنيسة لكل تحول من هذه التحولات بإصدار رسائل بابوية عامة تبيّن كيفية تطبيق العقيدة الكاثوليكية عليه. والآن يدخل الفاتيكان مجدداً على الخط، مدافعاً عن تصوره للكرامة الإنسانية وغاية الخلق في مواجهة ثورة الذكاء الاصطناعي.
ولا يمكن وصف أول رسالة بابوية عامة في عهد البابا لاوون الرابع عشر، “ماغنيفيكا هيومانيتاس، أي “الإنسانية العظيمة”، بأنها تفتقر إلى الطموح. فعنوانها الفرعي يكشف وحده اتساع نطاقها: “في صون الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي”.
يقول الجزء الأول من حجة البابا ما كان لا بد أن يقوله: إن البشر استثنائيون. فالكنيسة لطالما علّمت أن الإنسان خُلق على صورة الله، وأن ابن الله، باتخاذه الهيئة البشرية بكل ما فيها من هشاشة، قدّس التجربة الإنسانية. وبينما يناقش خبراء التكنولوجيا ما إذا كان الوعي المحتمل لأنظمة الذكاء الاصطناعي يستوجب منح الآلات حقوقاً مماثلة لحقوق الإنسان، يصر البابا على وجود فارق جوهري بين البشر والآلات.
وتقول الرسالة إن أنظمة الذكاء الاصطناعي “لا تفعل سوى محاكاة بعض وظائف الذكاء البشري”، مضيفة أنه “حتى عندما توصف هذه الأدوات بأنها قادرة على ‘التعلم’… فذلك ليس تجربة أولئك الذين يتركون للحياة أن تشكلهم وينمون بمرور الزمن من خلال الخيارات والأخطاء والغفران والوفاء”.
وبالنسبة إلى كثير من عامة الناس، سواء كانوا كاثوليكاً أم لا، يبدو موقف الكنيسة مطمئناً ومؤكداً لمكانة الإنسان. فعندما قال لاري بيج، المؤسس المشارك لـ”غوغل”، إن الآلات تمثل شكلاً أعلى من الذكاء، بما يجعل انقراض البشر حدثاً تطورياً لا يدعو إلى القلق، قوبل كلامه بنفور واسع. وفيما يتطلع المستقبليون إلى بلوغ الخلود عبر نقل وعيهم وعقولهم إلى أنظمة رقمية سحابية، يفضل كثيرون تصوراً أكثر تقليدية للخلاص. فالناس لا يريدون أن يخضعوا للآلات، ولا أن يندمجوا معها. ومن هنا يبدو مطمئناً أن يقرأ المرء في وثيقة كهذه أن “أي نظام حاسوبي لا يستطيع، مهما بلغ من التطور، أن يخلق قلباً قادراً على التفاني من أجل الآخرين، أو ضميراً يميز الخير من الشر”.
لكن ما إذا كانت تأكيدات الكنيسة تصمد أمام التدقيق التحليلي فمسألة أخرى. فعندما تفترض “ماغنيفيكا هيومانيتاس” أن أنظمة الذكاء الاصطناعي “لا تفعل سوى محاكاة” الذكاء البشري، فإنها ترفض فكرة قديمة تقول إن محاكاة الذكاء تعادل امتلاكه. ووفق هذه الفكرة، لا تدل المحاكاة بالضرورة على غياب الذكاء، بل قد تكون وجهاً من وجوهه. فالبشر أنفسهم يحاكون الذكاء: يتعلم الأطفال من آبائهم، ويتقن الأساتذة تعاليم العلماء الذين سبقوهم. ثم إذا كانت الآلة قادرة على تركيب المعارف، وإجراء محادثة متماسكة، وتحليل صورة طبية، واجتياز امتحان مزاولة مهنة المحاماة بتفوق، فبأي معنى يمكن القول إنها ليست ذكية؟
ويعود أقوى دفاع عن موقف الفاتيكان المضاد إلى عام 1980، حين طرح الفيلسوف جون سيرل ما أصبح يعرف باسم “حجة الغرفة الصينية”. وكان هدف تجربته الفكرية دحض “اختبار تورينغ” الشهير [اختبار يقوم على معرفة ما إذا كان في وسع آلة أن تتواصل بطريقة تجعل الإنسان عاجزاً عن تمييزها من شخص حقيقي]، الذي يرى أن الحكم على الآلة ينبغي أن يستند فقط إلى مخرجاتها: فإذا بدت تلك المخرجات ذكية للبشر، فإن النظام يكون ذكياً بالفعل.
وللرد على ذلك، تخيل سيرل رجلاً وحيداً داخل غرفة تصله رسائل من تحت الباب مكتوبة باللغة الصينية. فيرد عليها برسائل صينية، مقنعاً الطرف الآخر بأنه يتقن اللغة. لكن الأمر ليس سوى خدعة. فالرجل يصوغ ردوده بمساعدة دليل يحدد له أي سلسلة من الرموز الصينية ينبغي أن يقابل بها كل سلسلة ترد إليه، من دون أن تكون لديه أدنى فكرة عن معنى هذه الرموز. إنه، بعبارة أخرى، يستخدم كتاب قواعد لمحاكاة الفهم.
وكانت حجة سيرل أن نموذجاً للذكاء الاصطناعي قد يفتقر إلى الذكاء ومع ذلك ينجح في اجتياز اختبار تورينغ. أو كما تصوغ الرسالة البابوية الأمر، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي “قد تحاكي اللغة والسلوك والمهارات التحليلية… لكنها لا تفهم ما تنتجه”.
وكانت حجة سيرل قوية في السنوات السابقة لثورة الذكاء الاصطناعي الحديثة، حين كانت الآلات تبني مخرجاتها على قواعد تشبه الدليل المستخدم في تجربته الفكرية. فإذا كتب شخص “مبنى إمباير ستيت” في خانة بحث، اقترح نظام الإكمال التلقائي الكلمات الأكثر احتمالاً إحصائياً بعدها، مثل “مواعيد الافتتاح” أو “الاتجاهات”. ولم يكن النظام يعرف ما هو مبنى إمباير ستيت أو كيف يبدو.
أما النماذج اللغوية الكبرى اليوم فتعمل بطريقة مختلفة. صحيح أنها تبدأ بتلقي الكلمات ومعاملتها باعتبارها بيانات إحصائية، لكنها تخرج من عملية التدريب وقد اكتسبت فهماً دقيقاً للمعنى. وكما يقترح الكاتب روبرت رايت في كتابه الجديد The God Test: Artificial Intelligence and Our Coming Cosmic Reckoning، أي “اختبار الإله: الذكاء الاصطناعي وحسابنا الكوني الآتي”، بات من الصعب مقاومة الاستنتاج بأنها تبلغ بالفعل قدراً من الفهم.
يا قليلي الإيمان
ولفهم الكيفية التي يتحدى بها الذكاء الاصطناعي الحديث كلاً من سيرل والكرسي الرسولي، يمكن البدء بما يعرف باسم “تضمينات الكلمات” word embeddings. فالنموذج اللغوي الكبير يضع الكلمات التي يتلقاها داخل خريطة تتألف من آلاف الأبعاد. ويستحيل على البشر، المعتادين العيش في ثلاثة أبعاد، أو أربعة إذا احتسبنا الزمن، تصور مثل هذه الخريطة، لكن أجهزة الحاسوب تتعامل معها بسهولة.
وفي هذه الخريطة اللغوية الهائلة، تقع كلمة مثل “كمبيوتر” بالقرب من كلمات مرتبطة بها، مثل “لوحة المفاتيح” و”الكهرباء” و”أشباه الموصلات”. وبهذه الطريقة، يستوعب النموذج الروابط الدقيقة بين كل كلمة في اللغة وسائر الكلمات. وإذا زُوّد النظام أيضاً بقدرة على الرؤية، فإنه يتعلم العلاقات بين الكلمات والأشياء، أي بين الرموز والبيئة المادية المحيطة.
لكن هذا ليس سوى البداية. فمع إتقان أنظمة الذكاء الاصطناعي اللغة، تبدأ أيضاً في استيعاب المفاهيم. ولهذا تكون كلمات مثل “أخ” و”أب” و”ابن أخ” أقرب بعضها إلى بعض على الخريطة اللغوية من قربها إلى “أخت” و”أم” و”ابنة أخ”، لأن الأنظمة تفهم النوع الاجتماعي. وعندما تستدعي مقاطع معينة من النص مفاهيم مثل “الصراع الداخلي”، تلتقط الأنظمة هذه المفاهيم أيضاً. وهكذا، لا تكتفي ببناء خريطة للكلمات، بل تنشئ خريطة للمفاهيم يكون فيها “الصراع الداخلي” قريباً من “التوتر في العلاقات” أو “التناقض المنطقي”.
ولا تقف قدرات هذه النماذج عند اللغة والمفاهيم، إذ تستطيع أيضاً التعرف إلى العواطف ورصد المشاعر. فمنذ عام 2017، رصدت “أوبن إيه آي” ما سمته “عصبون المشاعر”، وهو عقدة محددة داخل شبكة التعلم العميق لنموذج ذكاء اصطناعي تمكنت من استشعار ما إذا كانت نبرة مراجعة منشورة على موقع “أمازون” إيجابية أم سلبية.
واليوم، وبعد تدريبها على نصوص تشمل الروايات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وشتى أشكال التعبير البشري عن المشاعر، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة التعرف إلى الغضب والفرح والخجل والحزن والقلق. بل إنها لا تكتفي برصد هذه المشاعر، وإنما يمكن جعل سلوكها منسجماً مع حالات عاطفية أو أنماط شخصية بعينها. فمن خلال تعديل إعداداتها، يستطيع الباحثون جعل النموذج متفائلاً أو سلبياً، صادقاً أو متملقاً. وعلى خلاف الآلات الحاسبة والجداول الإلكترونية وأنظمة الإكمال التلقائي، تستطيع النماذج اللغوية الكبرى اكتساب ما يمكن أن نسميه “طبعاً”.
غير أن “ماغنيفيكا هيومانيتاس” لا تأخذ أياً من هذه التطورات في الحسبان. فهي تقول، بشيء من التسرع، إن أنظمة الذكاء الاصطناعي “لا تمر بتجارب”، متجاوزة بذلك مجالاً رئيساً في تطور الذكاء الاصطناعي يعرف باسم “التعلم المعزز“، وهو علم تصميم أنظمة تتعلم تحديداً من خلال التجربة.
واللافت أن الرسالة نفسها تقر بهذه العملية بصورة غير مباشرة، عندما تقول إن الذكاء الاصطناعي يقوم بـ”تكيف إحصائي قائم على البيانات والتغذية الراجعة”. لكن الفارق بين “البيانات” و”التجربة” دقيق. فالبشر يتلقون تجاربهم عبر أعضاء الحس، ثم يحولون هذه المدخلات إلى إشارات كهروكيميائية. وبالمثل، يمكن القول إن أنظمة الذكاء الاصطناعي، المزودة بكاميرات وميكروفونات بدلاً من العيون والآذان، تتلقى تجارب قبل أن تحولها إلى أرقام. وعلى مستوى عام، تحول المنظومات العضوية وغير العضوية على السواء المدخلات الحسية إلى بيانات.
ويقدم نظام طورته وحدة الذكاء الاصطناعي التابعة لـ”غوغل“، “ديب مايند”، عام 2017 مثالاً واضحاً على ذلك. فقد تفوق “ألفا زيرو” على الخبراء البشر في الشطرنج، وفي لعبة “شوغي” اليابانية، وفي لعبة “غو” الاستراتيجية القديمة. ولم يحقق هذه الإنجازات من خلال تلقي مجموعة هائلة من التعليمات، بل من خلال خوض عشرات الملايين من المباريات ضد نفسه، أي من خلال اكتساب الخبرة.
وعلى المنوال نفسه، تتعلم المركبات الذاتية القيادة اليوم من تجربة القيادة، فيما تتعلم روبوتات المحادثة فن التخاطب مع البشر من خلال التفاعل معهم. وإذا استخدمنا العبارة نفسها التي تستعملها الرسالة لوصف البشر، فإن أنظمة التعلم المعزز “تنمو بمرور الزمن من خلال الخيارات والأخطاء”، وإن كانت، بطبيعة الحال، لا تنمو من خلال “الغفران والوفاء” كما يفعل البشر.
ومع ذلك، تبقى الفوارق جوهرية. فالآلات لا تنزف، ولا تتألم، ولا تحب، ولا تحزن، ولا تتكاثر جنسياً. والبشر فانون، فيما لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي زر لإيقافها. والذكاء الاصطناعي لا يوجد في عالم أخلاقي، بل يعمل داخل مصفوفة من عمليات التحسين. وبسبب هذه الفوارق، سيصر كثير من البشر دائماً على أن الآلات تفتقر إلى الوعي، حتى إن ظل تعريف هذا المصطلح مراوغاً، وأنه من دون الوعي ونوعية التجربة التي يتيحها لا يمكن أن يوجد ذكاء حقيقي.
وفي هذا السياق، كتب مؤلف الخيال العلمي تيد تشيانغ: “امتلاك جسد شرط مسبق لامتلاك العواطف”، مضيفاً أن الشعور بعاطفة مثل اليأس لا يمكن فصله عن تدفق هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والإبينفرين، في الجسد. وبالنسبة إلى من يجدون حجة تشيانغ مقنعة، فإن الذكاء الاصطناعي الحديث لم يفعل سوى تزويد الرجل في تجربة سيرل الفكرية بكتاب قواعد بالغ التطور والتعقيد. لكنه، مهما بلغ هذا الكتاب من التطور، يظل غير قادر على التحدث بالصينية.
وعلى رغم ذلك كله، فإن أوجه التشابه بين البشر والآلات لا تقل إثارة عن أوجه الاختلاف بينهم. فالدماغ البشري جسم مادي يتكون من مادة بيولوجية تخضع للقوانين نفسها التي تحكم بقية الكون، بما في ذلك أجهزة الحاسوب. وتعمل أدمغة البشر، مثل الأدمغة الحاسوبية، بتدفقات ضئيلة من الكهرباء؛ فعندما تكوّن رأياً أو تضع خطة، فإنها تعالج المعلومات. وقد تبدو فكرة أن تلك الكتلة الرخوة داخل الجمجمة تحتوي على جوهر عصي على الوصف والبرمجة، سواء كان وعياً أو روحاً أو شيئاً آخر، جذابة على المستوى الحدسي. لكن هذه الفكرة، من منظور تحليلي، واهية. وستصبح أقل إقناعاً كلما واصل الذكاء الاصطناعي تقدمه.
المقدس والمدنس
إذا كانت حجة الرسالة بشأن تفرد الإنسان موضع جدل، فإن الجزء الثاني منها ينطلق من أرضية أكثر صلابة: يجب تنظيم الذكاء الاصطناعي. فكما يرى البابا لاوون، قد يفاقم الذكاء الاصطناعي أوجه التفاوت في الثروة والسلطة، ويحدث اضطرابات في البيئة والعلاقات والوظائف، ويعيد تشكيل ما نتعلمه وكيف نتعلمه، بل وحتى أي أجزاء من أدمغتنا تظل خاملة. وقد تكون العواقب أشد خطورة في ميدان الحرب. فإذا تولى الذكاء الاصطناعي أتمتة العمليات الحربية، فقد يضعف الرادع من شن عدوان، فيما يمكن اختزال المساءلة واللوم في إلقاء المسؤولية على عاتق “الآلة”، فتغدو المسؤولية البشرية أكثر ضبابية.
والكنيسة محقة في أن ثمة أسباباً كثيرة تدعو إلى القلق. لكن أمام تكنولوجيا بهذا الاتساع في تأثيرها، يكمن التحدي الحقيقي في تحديد الأولويات التنظيمية، وهنا لا تحقق الرسالة البابوية نجاحاً كبيراً. فهي تهاجم ما تسميه “الاحتكارات الجديدة للذكاء الاصطناعي”، وتقول إن “من يسيطرون على الذكاء الاصطناعي سيفرضون رؤيتهم الأخلاقية الخاصة، التي ستصبح البنية التحتية غير المرئية لهذه الأنظمة”. غير أن الذكاء الاصطناعي ليس حكراً على جهة واحدة، بل يدور حوله سباق عالمي تشارك فيه نحو اثنتي عشرة شركة. كما أن عدداً من هذه الشركات يتسم بقدر من الشفافية بشأن رؤيته الأخلاقية. فموقع “أنثروبيك” ينشر دستوراً من 84 صفحة، فيما تنشر “غوغل” مبادئها للذكاء الاصطناعي إلى جانب تقاريرها السنوية عن التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول. ولا شك في أن مثل هذه الجهود قابلة للتحسين، لكن من المستغرب أن تركّز الرسالة نقدها على ما تصفه باحتكارات تفتقر إلى الشفافية.
وتؤكد الرسالة أيضاً أن “ملكية البيانات لا يمكن تركها في أيدٍ خاصة وحدها”، وأن الهدف ينبغي أن يكون بدلاً من ذلك “إدارة البيانات بوصفها منفعة عامة أو مشتركة، بروح من المشاركة”. لكن الإدارة التشاركية تظل فكرة مثالية مجردة، في حين أن المشكلة الفعلية لا تكمن في الملكية الخاصة للبيانات بقدر ما تكمن في انتهاك هذه الملكية. فعدد كبير من الناشرين يقاضون مختبرات الذكاء الاصطناعي بسبب استخدامها نصوصاً محمية بحقوق النشر في عمليات التدريب. كما يواجه أي فرد أو مؤسسة متصلة بالإنترنت خطر سحب بيانات مملوكة لها وإدخالها في مجموعات تدريب الذكاء الاصطناعي. وإذا نُهبت الملكية الفكرية على نطاق واسع، فلن يبقى حافز كبير لإنتاج مزيد منها.

ولا يبدو نقد الرسالة للذكاء الاصطناعي العسكري أقل إرباكاً. فثمة حجة قوية تقول إن أنظمة الذكاء الاصطناعي القاتلة يجب أن تكون خاضعة للمساءلة، وأن تلتزم بأوامر المحاكم والتشريعات وتوجيهات كبار القادة البشر. والرسالة تؤيد هذا المبدأ، لكنها تمضي أبعد منه، إذ تقول بصورة قاطعة إن “قرار استخدام القوة القاتلة لا يمكن تفويضه إلى عمليات غامضة أو مؤتمتة”. المشكلة أن هذا الموقف غير عملي. فعندما يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة في ساحة المعركة، سيصبح استخدامه أمراً لا مفر منه. والجيش الذي يعرض عنه سيهزمه الجيش الذي يتبناه.
ولا تقتصر مشكلات الرسالة على ما تقوله، إذ تتفاقم الأخطاء الناجمة عما فعلته بأخطاء أخرى ناجمة عما أغفلته. فهي تدعو، وهي على حق، إلى “إشراف مستقل” على الذكاء الاصطناعي وإلى “نظام سياسي لا يتخلى عن مسؤوليته”، لكنها لا تتناول جوهر النقاش المتعلق بحوكمة الذكاء الاصطناعي. فالرسالة تطالب بالمساءلة بعد وقوع الأمر، وتدعو إلى أن تكون القرارات “قابلة للفهم والطعن وخاضعة للإشراف”، لكنها تلتزم الصمت تجاه مسؤولية الحكومات عن اتخاذ قرار أكثر أساسية: هل ينبغي السماح بإطلاق نموذج معين من الأساس؟ وهذا التحفظ يبدو انتقائياً، فالكنيسة لا تجد صعوبة في الدخول في التفاصيل عندما يتعلق الأمر بالأسلحة الفتاكة الذاتية التشغيل. ولم يكن ليصعب عليها، أو حتى يثير جدلاً من منظور تعاليمها، أن تقول إن على الجهات الوطنية المنظمة للذكاء الاصطناعي اختبار النماذج الأكثر تقدماً قبل طرحها، ومنع إطلاق النماذج التي تثبت خطورتها.
وتظهر ثغرة أخرى في حديث الرسالة المطول عن استبعاد الفقراء، من دون أن تقترح سياسات لإعادة توزيع الثروة يمكن أن تساعدهم. وكان في إمكانها تأييد عدد من الخيارات، من بينها نقل جزء من العبء الضريبي من العمل إلى رأس المال، بما يبطئ وتيرة استبدال العمال بالآلات؛ أو اعتماد “تأمين للأجور” يخفف وقع الانتقال على الموظفين الذين فقدوا وظائفهم من خلال استكمال أجورهم في وظائفهم الجديدة؛ أو توزيع أسهم في شركات الذكاء الاصطناعي على المواطنين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، بحيث يمتلك الجميع حصة، مهما كانت صغيرة، في المكاسب الناجمة عن انتشار هذه التكنولوجيا. ولا شك في أن المجتمعات ستتبنى بعض هذه السياسات مع تزايد قلق الناخبين. لكن الكنيسة أضاعت فرصة للدعوة إلى تسريع هذا الانتقال.
مأزق السياسات
مع استمرار تقدم الذكاء الاصطناعي، ستحاول شخصيات أخرى ذات سلطة، دينية وعلمانية، مساعدة البشرية على استيعاب مستقبلها والتعامل معه. ومع شيء من الحظ، سيكون أداؤها أفضل من البابا: فتكون أقل انشغالاً بالمزاعم الملتبسة بشأن استثنائية الإنسان، وتتجنب القضايا الجانبية المضللة المتعلقة بالاحتكار، وتوجه اهتمامها بدلاً من ذلك إلى أبرز الثغرات في استجابة العالم للأنظمة الجديدة. وسوف تتغير طبيعة هذه الثغرات مع تطور قصة الذكاء الاصطناعي. أما في الوقت الراهن، فتبرز ثلاث منها على وجه الخصوص.
تتمثل الأولى في الحاجة إلى ما يعادل “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية” في مجال الذكاء الاصطناعي. فلم يوضح أي قائد بارز حتى الآن ما الذي ستفعله الحكومات عندما تنتشر أخطر قدرات الذكاء الاصطناعي في أنحاء العالم وتصبح في متناول المجرمين والإرهابيين. وقد أدركت إدارة ترمب هذا التهديد ضمناً. فبعد أن تخلت عن نهج عدم التدخل في الذكاء الاصطناعي، فرضت سيطرتها على طرح النماذج الأكثر تقدماً، القادرة على شن هجمات سيبرانية شديدة التدمير. لكنها في المقابل قللت من شأن حقيقة أن المختبرات التي تأتي في المرتبة التالية للجهات الرائدة، وفي مقدمها المختبرات الصينية، يُرجح أن تمتلك خلال أشهر قليلة أنظمة قادرة على تنفيذ عمليات اختراق سيبراني، في وقت تتبع فيه هذه المختبرات حالياً نهج طرح نماذجها بصيغة “الأوزان المفتوحة”، بما يعني أن أي شخص يستطيع استخدامها وأنه لا توجد وسيلة لإيقافها بمجرد وصولها إليه. وبمجرد أن يصبح مثل هذا النموذج في يد شخص ما، لا يعود في مقدور أحد منعه من استخدامه. ولتفادي هذه النتيجة، سيتعين على الولايات المتحدة التفاوض مع الصين وقوى أخرى بشأن مبادئ مشتركة للسلامة. وستكون هذه المحادثات صعبة، لكن البديل هو انتشار واسع لأدوات خطرة قادرة على إحداث أضرار جسيمة، مثل نماذج ذكاء اصطناعي تستطيع تصميم أسلحة بيولوجية جديدة لا يتوافر لها علاج.
أما الثغرة الثانية البارزة في الاستجابة الحالية للذكاء الاصطناعي فتتمثل في الإصلاح الضريبي. فالحكومات تفرض ضرائب على العمل بمعدلات أعلى كثيراً من تلك المفروضة على رأس المال، ولأسباب كانت تبدو وجيهة في السابق: فالعمل أقل قابلية للانتقال، مما يجعل ضرائبه أسهل في التحصيل، كما أن الاستثمارات الرأسمالية تميل إلى رفع إنتاجية البشر وأجورهم، وهو ما يسمح للضرائب على العمل بأن تلتقط بصورة غير مباشرة جانباً من المكاسب التي يولدها الإنفاق الرأسمالي. لكن إذا بدأت الآلات تحل محل البشر بدلاً من أن تكمل عملهم، فقد تعجز الضرائب التي تتركز على العمل عن تحصيل إيرادات من النمو الذي يولده الذكاء الاصطناعي، فتجد الحكومات نفسها من دون الموارد اللازمة لمساعدة المتضررين من الاضطرابات التي يسببها. وفي الوقت نفسه، تزيد الضرائب المرتفعة على العمل من حوافز الشركات لاستبدال العمال بالآلات، بما يسرع فقدان الوظائف ويرفع معدلات البطالة. وإذا تحقق حتى نصف توقعات قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه بشأن الإزاحة الجماعية للوظائف، فإن فرض ضرائب على العمل تسهم في تسريع تسريح الموظفين قد يدفع الناخبين إلى التمرد على مشروع الذكاء الاصطناعي بأكمله.
أما الثغرة الثالثة والأخيرة فتتعلق بالنقاش حول طبيعة ذكاء الآلات. فمدى قدرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي على إنتاج ما يعادل أفكار البشر ومشاعرهم مسألة فلسفية ربما لا تجد حلاً نهائياً. لكن فهم الكيفية الدقيقة التي تعمل بها أنظمة الذكاء الاصطناعي ليس سؤالاً فلسفياً فحسب، بل هدف عملي وملح. وتحرز مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى تقدماً في مجال يعرف باسم “قابلية التفسير”، أي فهم ما يجري داخل هذه الأنظمة وكيف تصل إلى نتائجها. ونظراً إلى المصلحة العامة في حل هذا التحدي، هناك ما يبرر فرض ضريبة على تدريب النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي وتخصيص عائداتها لتمويل مزيد من الأبحاث في الجامعات أو المعاهد الحكومية المعنية بالإشراف على هذه التكنولوجيا. وتزعم “ماغنيفيكا هيومانيتاس” أننا لا نستطيع معرفة ما يدور من تفكير داخل الآلات، لأنه لا يوجد فيها أصلاً تفكير يستحق أن نعرفه. لكن الحقيقة، وفق الكاتب، هي العكس تماماً. فالآلات لن تصبح يوماً جزءاً من عالمنا الأخلاقي، لكن إذا أراد البشر السيطرة عليها، فعليهم أولاً أن يفهموها.
سيباستيان مالابي زميل أول في برنامج بول إيه. فولكر للاقتصاد الدولي في “مجلس العلاقات الخارجية”، ومؤلف كتاب “الآلة اللانهائية: ديميس هاسابيس وديب مايند والسعي إلى الذكاء الخارق”.
Independent News

مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى جزء أساسي من عمليات الشركات، لم يعد السؤال فقط: ما النموذج الأكثر تطوراً؟ بل ماذا يحدث إذا تعطلت البنية التحتية التي يعتمد عليها؟
لسنوات، ركّز سباق الذكاء الاصطناعي على النماذج والبيانات والرقائق والقدرات الحاسوبية، لكن مع انتقال هذه التكنولوجيا من مرحلة التجربة إلى تشغيل أنظمة حيوية داخل الشركات، تظهر نقطة ضعف لا تحظى دائماً بالاهتمام الكافي: البنية التحتية.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بدا رقمياً، يعتمد في النهاية على عالم مادي من مراكز البيانات، وشبكات الاتصالات، والكابلات البحرية، وإمدادات الكهرباء، وأنظمة التبريد.
وأي خلل كبير في إحدى هذه الحلقات، سواء بسبب انقطاع في الشبكات، أو عطل تقني واسع، أو مشكلة في إمدادات الطاقة، أو كارثة طبيعية، قد يمتد أثره سريعاً إلى الخدمات والعمليات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وهنا تظهر مفارقة واضحة: كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية للشركات، أصبحت موثوقية البنية التحتية التي تشغله أكثر أهمية أيضاً.
منحت الحوسبة السحابية الشركات ميزة كبيرة: الوصول إلى قدرات حاسوبية ضخمة من دون الحاجة إلى امتلاك مراكز بيانات أو ضخ استثمارات رأسمالية هائلة في بنية تحتية خاصة.
لكن هذه السهولة خلقت أيضاً نوعاً جديداً من الاعتماد؛ فالنماذج موجودة على السحابة، وكذلك كميات ضخمة من البيانات والأنظمة التي تستخدمها الشركات في أعمالها اليومية. ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال عن المكان الذي تعمل فيه هذه الأنظمة فعلياً أكثر أهمية.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في منطقة الخليج، التي تشهد توسعاً متسارعاً في الاستثمارات الموجهة إلى مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تزايد استخدام هذه التكنولوجيا في قطاعات اقتصادية مختلفة.
ويمتلك الخليج مجموعة من المقومات التي تعزّز قدرته على تطوير منظومات محلية للذكاء الاصطناعي، من توفر رأس المال والأراضي إلى الاستثمارات الكبيرة في الطاقة والبنية التحتية الرقمية. وهذا يجعل المنطقة مرشحة للعب دور متنامٍ ليس فقط كمستهلك لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضاً كمركز لاستضافة وتشغيل البنية التحتية التي تقف خلفها.
لكن زيادة القدرات الحاسوبية وبناء المزيد من مراكز البيانات لا يكفيان وحدهما؛ فالقيمة الحقيقية لهذه الاستثمارات ستعتمد أيضاً على مدى موثوقية البنية التحتية وقدرتها على دعم العمليات الحيوية بصورة مستمرة.
توزيع العمليات على أكثر من مركز بيانات أو مزود للخدمات السحابية قد يبدو كافياً للحماية من التعطل، لكن الأمر أكثر تعقيداً.
فقد توجد الأنظمة الاحتياطية في المنطقة نفسها، أو تعتمد على شبكات الطاقة والاتصالات ذاتها، وقد تتعامل الشركة مع مزودين مختلفين، بينما تعتمد خدماتهما في النهاية على أجزاء مشتركة من البنية التحتية.
لذلك، لا يكفي أن تسأل المؤسسة: هل لدينا نسخة احتياطية؟ بل يجب أن تعرف ما إذا كانت هذه النسخة قادرة فعلياً على العمل عند تعطل البنية الأساسية.
وهذا يتطلب اختبار القدرة على نقل أعباء العمل واستعادة الأنظمة وتشغيلها على بنية بديلة، بدلاً من الاكتفاء بافتراض أن وجود مزود ثانٍ أو مركز بيانات آخر يضمن استمرارية الأعمال.
وبالنسبة إلى الأنظمة الأكثر أهمية، قد يصبح توطين جزء من البيانات وقدرات الذكاء الاصطناعي داخل بنية تحتية محلية عالية الأداء خياراً استراتيجياً، وهنا يبرز مفهوم يتزايد حضوره عالمياً: الذكاء الاصطناعي السيادي.
غالباً ما يرتبط الحديث عن الذكاء الاصطناعي السيادي بمكان تخزين البيانات والقوانين المنظمة لها. لكن بالنسبة إلى الشركات، هناك بُعد عملي لا يقل أهمية: من يملك القدرة على إبقاء النظام يعمل؟
لم يعد امتلاك البيانات أو التحكم في الخوارزميات كافياً إذا كانت المؤسسة تعتمد بالكامل على بنية خارجية لا تملك مرونة كافية في التعامل معها.
فالسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي ترتبط أيضاً بقدرة المؤسسات على معرفة أين تعمل أنظمتها الحيوية، وإدارة بنيتها التحتية، ونقل أعباء العمل عند الضرورة، والوصول إلى الطاقة والشبكات والقدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيلها.
وتُقدّر «ماكينزي» أن متطلبات السيادة قد تؤثّر في ما بين 30% و40% من الإنفاق المستقبلي للشركات والحكومات على الذكاء الاصطناعي، ما قد يخلق سوقاً عالمية تتراوح قيمتها بين 500 و600 مليار دولار بحلول عام 2030.
وفي استطلاع آخر شمل 300 من التنفيذيين والمستثمرين والمسؤولين الحكوميين، اعتبر 71% منهم الذكاء الاصطناعي السيادي إما قضية وجودية أو ضرورة استراتيجية.
وهذه الأرقام تعكس تحولاً في طريقة التفكير. فالشركات لم تعد تسأل فقط عن تكلفة الذكاء الاصطناعي أو قدرته على التوسع، بل أيضاً عن مقدار السيطرة الفعلية التي تمتلكها على التكنولوجيا التي أصبحت أعمالها تعتمد عليها.
هذا لا يعني أن على كل شركة بناء مركز بيانات خاص بها أو التخلي عن الحوسبة السحابية.
المطلوب هو تحديد أهمية كل نظام وحجم الضرر المحتمل من توقفه.
فالأنظمة التي يمكنها تحمل توقف يمتد أياماً قد تعمل على البنية الأكثر كفاءة من حيث التكلفة. أما التطبيقات المهمة، فتحتاج إلى إمكانية انتقال حقيقية ومختبرة بين مناطق أو مزودين مختلفين.
وفي المقابل، فإن العدد المحدود من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي قد يؤدي توقفها إلى تعطيل الأعمال أو الخدمات الأساسية قد يبرر مستوى أعلى من السيطرة، وربما الاعتماد على بنية تحتية محلية أو مخصصة.
بمعنى آخر، لا تحتاج جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى المستوى نفسه من الحماية، لكن الشركات تحتاج إلى معرفة أي منها لا تستطيع تحمل فقدانه.
لم تعد هذه القضية مسؤولية قسم تكنولوجيا المعلومات وحده. فمع دخول الذكاء الاصطناعي إلى خدمة العملاء والتحليلات واتخاذ القرارات وسلاسل التوريد والخدمات المالية وغيرها من العمليات، يصبح تعطل البنية التحتية مخاطرة تجارية قبل أن يكون مشكلة تقنية.
لذلك، على مجالس الإدارات والرؤساء التنفيذيين معرفة أين تعمل أهم أنظمة الذكاء الاصطناعي لديهم، وما البنية التحتية التي تعتمد عليها، وحجم الضرر الذي قد ينتج عن توقفها.
بهذا تنتقل قضية البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من نقاش تقني حول مراكز البيانات والسحابة إلى جزء أساسي من إدارة مخاطر الأعمال.
العالم لا يزال في بداية دورة استثمار ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فأكبر أربع شركات للحوسبة السحابية فائقة النطاق أنفقت مجتمعة نحو 130 مليار دولار في الربع الأول من العام، ذهب جانب كبير منها إلى مراكز البيانات، فيما تتجه إلى إنفاق أكثر من 600 مليار دولار بحلول نهاية 2026.
هذه الاستثمارات تكشف حقيقة ربما غابت خلف الصورة الرقمية للذكاء الاصطناعي: كلما توسع الذكاء الاصطناعي، أصبح أكثر اعتماداً على بنية تحتية مادية ضخمة.
حتى الآن، كان السباق يدور حول من يمتلك النموذج الأفضل، والرقائق الأسرع، والقدرات الحاسوبية الأكبر. لكن مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صميم الأعمال، سيصبح استمرار هذه القدرات متاحة وموثوقة جزءاً من معادلة المنافسة نفسها.
فالمرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بمن يمتلك أقوى ذكاء اصطناعي، بل بمن يمتلك البنية التحتية القادرة على إبقائه يعمل لأن أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تطوراً لا تقدم قيمة كبيرة للأعمال إذا لم تكن البنية التحتية التي تقف خلفها قادرة على الاستمرار.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
كما تعتبر الفعالية هي الأولى للرئيس التنفيذي الجديد لأبل، جون تيرنوس، وذلك بعد توليه المنصب خلفاً لتيم كوك في وقت سابق من هذا الشهر.
واستعرض تيرنوس رؤيته في ظل الضغوط التي تواجهها عملاقة التكنولوجيا، مثل السباق المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي، ونقص الذاكرة الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، والتشريعات التنظيمية الأوروبية.
ويبدأ سعر هاتف iPhone 18 Pro من 1,199 دولارًا، بينما سيبدأ سعر طراز Pro Max الأكبر حجمًا من 1,299 دولارا.
وتُعد هذه الأسعار أعلى مقارنةً بطرازي iPhone 17 Pro وPro Max اللذين أُطلقا العام الماضي بأسعار بدأت من 1,099 دولاراً و1,199 دولاراً على التوالي.
تجدر الإشارة إلى أن شركة Apple كانت قد رفعت أسعار منتجات أخرى -مثل أجهزة iPad وMac- خلال فصل الصيف؛ بسبب ارتفاع تكاليف المكونات الناجم عن نقص في إمدادات الذاكرة.
وستتضمن الهواتف الجديدة تقنية “سيري – Siri” المعززة بتقنيات الذكاء الاصطناعي من أبل، بالإضافة إلى تحسينات في وظائف الكاميرا وعمر البطارية.
كما أشار تيرنوس إلى أن الهواتف ستضم “أسرع شريحة تم وضعها في هاتف آيفون على الإطلاق”.
وستتوفر الهواتف باللون الأسود، واللون الفضي المسمى “غلاسيير” (glacier – أي لون الجليد)، واللون العنابي (burgundy).
وقدمت أبل تفاصيل حول الشريحة الجديدة في هاتف “آيفون 18 برو”، والتي تحمل اسم “A20 Pro”، إلى جانب النظام الجديد لإدارة الحرارة في الهاتف.
وقالت الشركة إن التصميم الحراري الجديد -أي الآلية التي ينظم بها الهاتف درجة حرارته- سيجعله جهازاً فائق القدرة، قادرا على التعامل مع مهام متنوعة تبدأ من تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي مباشرة على الهاتف وتصل إلى تشغيل الألعاب المتطورة.
اعتادت أبل دائما على استعراض تفاصيل المعالجات الجديدة في هواتفها عند الإعلان عنها، إلا أن هذا التركيز الإضافي يبدو وكأنه يعكس الطابع المميز الذي كان متوقعا رؤيته الآن بعد أن تولى تيرنوس -الذي كان يشرف سابقاً على هندسة الأجهزة- منصب الرئيس التنفيذي.
كما استعرضت الشركة أيضا كاميرا هاتف ( iPhone 18 Pro)؛ إذ باتت تتميز بفتحة عدسة متغيرة تتيح ضبط كمية الضوء الداخلة إليها وفقاً لظروف البيئة المحيطة.
كما يُتوقع أن يوفر الهاتف قدرة أفضل وأسرع على التقاط الصور في ظروف الإضاءة المنخفضة.
وسيتمكن المستخدمون أيضاً من ضبط فتحة العدسة يدويا عبر أربع خيارات متاحة، فضلاً عن إمكانية التحكم في سرعة الغالق.
عادةً ما تحظى ترقيات الكاميرا باهتمام كبير في هواتف Apple من فئة “برو”، لذا ليس من المستغرب أن تواصل الشركة تلبية احتياجات المصورين والمبدعين بشكل أكبر.
وقال نائب رئيس هندسة الأجهزة في شركة أبل، ريتش دين، إن هاتف iPhone 18 Pro يمكن أن يصل مستوى شحنه إلى 50% خلال 15 دقيقة، وأن يتيح تشغيل الفيديو لمدة ست ساعات بعد شحنه لمدة خمس دقائق فقط.
وأشار دين إلى أن هاتف iPhone 18 Pro يتمتع بعمر بطارية يماثل ذلك الخاص بهاتف iPhone 17 Pro Max رغم صغر حجمه؛ إذ يوفر طراز iPhone 18 Pro Max ما يصل إلى 30 ساعة من الاستخدام لكل عملية شحن، بينما يوفر طراز 18 Pro ما يصل إلى 24 ساعة.
ووصف تيرنوس، هاتف “آيفون” باعتباره الجهاز الشخصي الأمثل للذكاء الاصطناعي؛ نظرًا لما يتمتع به من حماية قوية للخصوصية، فضلاً عن امتلاكه قدرًا كبيرًا من المعلومات حول مستخدميه بالفعل.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتجه فيه شركات مثل “ميتا” و”جوجل” و”سامسونج”، نحو النظارات الذكية باعتبارها الجيل الجديد من أجهزة الكمبيوتر المخصصة للذكاء الاصطناعي، في حين واجهت أبل انتقادات بسبب تأخرها في هذا المجال.
CNN