منذ انشقاقه عن جيش النظام عام 2011، اختار محمد حمودة الوقوف في صفّ الناس لا في صفّ الأوامر العمياء. خدم في حمص مطلع عام 2011، ثم انتقل إلى داريا حيث كان قائد مجموعة مرابطة في مقام سكينة، أحد أخطر وأشرس محاور القتال في المدينة.
تسلّم الرباط في مغارب داريا، ثم أوكلت إليه مسؤولية جبهة سكينه مع نخبه من أبطال المدينة، وبقي فيها قرابة عامين من الصمود المتواصل، في مواجهة آلة عسكرية لم ترحم حجرًا ولا بشرًا.
رحم الله الشهداء جميعًا، وتقبّلهم في عليّين، وشفى الجرحى، وحفظ المقاتلين الشجعان الأحياء، وثبّت أقدامهم، وربط على قلوبهم، وجعل ما قدّموه في ميزان الحقّ والكرامة، إنّه نعم المولى ونعم النصير.
]]>شهد معارك مفصلية، أبرزها معارك الفصول التي صمدت فيها خطوط الدفاع رغم القصف العنيف، ومعركة القطة التي فشلت خلالها محاولات الاختراق، إضافة إلى معركة استعادة الطريق التي كُسر فيها خلال أربعٍ وعشرين ساعة خط دفاعي بناه النظام خلال أشهر.
يستحضر أبو أنس رفاقه الشهداء بوجعٍ وفخر، وهم من خيرة شباب داريا الذين سقطوا على هذه الجبهات:
أبو عارف عليان

رائد عليان (أبو أنس)
صلاح عليان أبو خالد
أبو فهد السيد
سامر رهواني (أبو خالد)
الصحرا من بيت مطر
أبو حسام المعضماني
أبو براء الحو
أبو الخير قديمي
أبو سلمو الزهر (قائد كتيبة أسود التوحيد)
أبو أحمد الأحمر
عدي زيادة (أبو يزن)
أبو عمران
أحمد معضماني أبو المجد
فراس القرح
عماد حبيب
بشار الفرخ (أبو أسامة)
رحمهم الله جميعًا.
كما يذكر بإخاء واحترام من قاتلوا إلى جانبه وشاركوه الخنادق والمواقف، ومنهم:
إسلام خشينة (أبو إسلام)، مؤيد محسن (أبو عدي)، و وائل (أبو لؤي الزهر).
هكذا تبقى سيرة أبو أنس جزءًا من ذاكرة داريا؛ رجلٌ بدأ في الساحات السلمية، وثبت في الصفّ الأول حتى النهاية.
]]>]]>
بقلم إبراهيم معضماني
]]>تم تصوير هذا المقطع أثناء اقتحام مدينة داريا من قبل نظام الأسد البائد. وبعد أن حوصرت هذه المجموعة على الكرنيش القديم في المدينة، تدخّل عدد من شباب آل معضماني، وتم تأمينهم ونقلهم إلى مشتلهم (مشتل الشاويش)، حيث جرى إخفاؤهم وحمايتهم إلى أن تم تأمين خروج جميع من كان موجودًا وعودتهم إلى أهلهم بسلام.
خلال سنوات الثورة، لم يكن هذا الموقف استثناءً، فقد عملت هذه العائلة بصمت طيلة فترة الثورة، وقدّمت الكثير لها، كما فعلت العديد من عائلات داريا، دون ضجيج أو ادّعاء، مكتفية بما يمليه الواجب والضمير في زمن كانت فيه العين تواجه المخرز، وكان الوقوف إلى جانب الحق مخاطرة حقيقية.
هذه المشاهد لا تُنشر للتفاخر، بل للتذكير بأن ما حمى الناس يومًا كان التكاتف، وما أبقى الثورة حيّة كان أخلاق أهلها قبل أي شيء آخر.
تصوير إبراهيم معضماني
]]>ومع انتقاله إلى داريا عام 2012، برز دوره العسكري بشكل لافت، فساهم عام 2013 في تشكيل لواء شهداء الإسلام، ثم تولّى قيادة كتيبة أسود التوحيد، قبل أن يقود عام 2014 الكتيبة الموحّدة عقب توحيد كتيبتي شهداء داريا وأسود التوحيد.
خلال حصار داريا، قاد أبو سلمو عمليات مفصلية للواء، وشارك في التخطيط والتنفيذ لأبرز معارك المدينة، منها معركة الفصول، وبشر الصابرين، ولهيب داريا.
تميّز بقيادة هادئة، وباعتمادٍ واضح على الكفاءة وتفويض الخبرات، ما أكسبه ثقة المقاتلين ومحبتهم، وجعل حضوره علامة فارقة في مسيرة القتال والدفاع عن المدينة.
رحم الله القائد محمد الزهر (أبو سلمو)، وجعل مثواه الجنة، وتقبّل تضحياته، وربط على قلوب أهله ورفاقه.
ورحم الله جميع شهداء الثورة السورية، الذين مضوا دفاعًا عن الحق والكرامة، وجعل دماءهم نورًا لا ينطفئ، وذكراهم حيّة ما بقي في هذه الأرض من يذكر الحرية.
]]>
جلال النجار، أبو حذيفة، واحد من أولئك الذين اختاروا طريقًا يعرفون مسبقًا أنه موجع، لكنهم مضوا فيه دون التفات. تعرّض لإصاباتٍ عدة خلال مسيرته الثورية، وكانت إحداها قاسية، أثّرت على جزءٍ من يده، كأن الحرب أرادت أن تترك علامتها عليه.
ومع ذلك، لم يتراجع، ولم يبحث عن مبرر للانسحاب، ولم يعتبر الجرح نهاية الحكاية. تابع دفاعه عن داريا، لا لأن الجسد سليم، بل لأن القلب كان ثابتًا، ولأن المدينة كانت تستحق.
وبعد التحرير، لم ينسحب أبو حذيفة من المشهد، بل استمر في خدمة بلده، مؤديًا واجبه من خلال عمله في الأمن الداخلي، مؤمنًا أن حماية الناس مسؤولية لا تنتهي بانتهاء المعركة.
وفي حكاية أبي حذيفة، نفهم أن الثورة ليست بطولة لحظة، بل قدرة صامتة على الاستمرار رغم الوجع، ورغم ما ينقص، ورغم ثقل الطريق.
نسأل الله أن يحفظه وأمثاله، وأن يجعل ما حملوه في سبيل مدينتهم نورًا لا يزول، وأن يبقى الثبات رفيقهم ما بقي في الحكاية سطر يُكتب.
]]>نود أن نوضح أن ما نشهده اليوم ليس أمرًا خفيًا أو محصورًا بجهة معينة، فنحن في المركز نرى كما يرى أغلب سكان المدينة احتراق المحولات وخروجها عن الخدمة بشكل متكرر.
ويعود السبب الرئيسي للانقطاع الطويل والمتكرر إلى الأحمال الزائدة على المحولات الكهربائية. للأسف، هناك من لا يلتزم بتركيب قاطع 10 أمبير ويقوم بتحميل الشبكة أكثر من قدرتها، ما يؤدي إلى تلف المحولات بشكل متكرر.
المشكلة لا تقتصر على الانقطاع بحد ذاته، فعمليات الصيانة مكلفة، والموارد والإمكانات محدودة. ومع استمرار سوء الاستخدام، تتأخر أعمال الإصلاح وقد تمتد فترات الانقطاع لأيام طويلة، بل وربما لأسابيع إذا استمر الوضع على حاله.
لذلك نناشد الجميع الالتزام بالاستخدام الرشيد للكهرباء، والابتعاد قدر الإمكان عن التدفئة وتسخين المياه باستخدام التيار الكهربائي. وكما يقول المثل:
«سَبْسوبة ماشية ولا نهر مقطوع»
القليل الدائم خير من انقطاع كامل لا يُعرف إلى متى.
المسؤولية جماعية، واستمرار التيار الكهربائي مرهون بتعاون الجميع.
]]>في زمن كان فيه عدد الرجال القادرين على القراءة والكتابة في داريا قليلاً جداً، لم يبلغوا عدد أصابع اليد الواحدة، فما بالنا بالنساء ، شجع الشيخ حبيب بن سعيد النجار الداراني نور الدين وحرضه على طلب العلم. التحق نور الدين بالجمعية الغراء، وهي جمعية خيرية أسسها العلامة الشيخ علي الدقر عام 1343هـ. بعد فترة، غادر الشيخ نور الدين الجمعية الغراء وطلب العلم في المدرسة النورية على يد العالم الفاضل محمد الهاشمي. كان الشيخ نور الدين وفياً لشيخه الهاشمي، كثير الذكر له والثناء عليه، حتى إنه كتب على بعض كتبه: “نور الدين الحمدوني، الشافعي مذهباً، الهاشمي طريقة”. وقد تكونت بينهما علاقة متينة من الود والمحبة والتآخي في الله. كما تلقى شيئاً من العلم على الشيخ عبد المجيد الخطيب الداراني، وحضر بعض دروس المحدث الأكبر بدر الدين الحسني.
لم يكن الشيخ نور الدين معدوداً من الفقراء، فقد ورث عن أبيه عدداً من البساتين والكروم، وكان يقتات وعائلته من غلاتها. في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، تولى الشيخ نور الدين الخطابة والإمامة والتدريس في جامع العباس بداريا، بعد أن شغر هذا المنصب. بقي على هذه الحال حتى وفاته. كان الشيخ خطيباً صادق اللهجة، قوي النبرة، فصيح العبارة، كثير الشواهد من القرآن والسنة، ولم يُسمع له لحن في كلمة قط. كانت دروسه في المسجد بعد الفجر، وبين المغرب والعشاء، وربما بعد العصر. في السنوات الأخيرة من عمره، نقل دروسه الخاصة لطلابه إلى بيته بعد المغرب.
تتلمذ على يد الشيخ وتخرج به عدد لا بأس به من طلاب العلم، منهم الأستاذ الفاضل أبو ماجد عزت الدباس، والشيخ أبو محمد محمد علي أبو اللبن، والأستاذ أبو محمد إبراهيم الحوراني. كما قرأ الأستاذ العلامة محمد شراب على الشيخ نور الدين كتاب “الحلال والحرام” للأستاذ يوسف القرضاوي. كان لتلامذة الشيخ أثر طيب في الدعوة إلى الله تعالى في داريا. كان الشيخ يحظى باحترام وتقدير ومحبة طلاب العلم وعامة الناس في داريا، الذين كانوا يلجؤون إليه في حل مشاكلهم والإجابة على تساؤلاتهم.
تنوعت الدروس التي كان يعطيها الشيخ في جامع العباس ما بين العقيدة والحديث والفقه وأصوله، والسيرة، والنحو، والأخلاق، وتلاوة الكتاب العزيز وتجويده. من الكتب التي درسها مع طلابه: “جواهر العقائد”، و”العقيدة الإسلامية وأسسها”، و”رياض الصالحين”، و”الأربعين النووية”، و”الترغيب والترهيب”، و”التاج الجامع للأصول”، و”تنوير المقياس من تفسير ابن عباس”، و”تفسير الحافظ ابن كثير”، و”تفسير الإمام القرطبي”، و”التفسير الواضح”، و”تهذيب سيرة ابن هشام”، و”فقه السيرة”، و”نور اليقين”، و”حياة الصحابة”، و”مغني المحتاج”، و”عمدة السالك وعدة الناسك”، و”إحياء علوم الدين”، و”بداية الهداية”، و”الحكم العطائية”، و”الورقات”، و”تنوير القلوب”، و”مفيد عوام المسلمين”. كان محباً لصاحب الظلال (سيد قطب)، مولعاً بتفسيره، مدمناً على قراءته، متأثراً بأفكاره، وقد قرأ منه على طلابه ثلاثة مجلدات.
كان الشيخ نور الدين عاكفاً على القراءة، وشغوفاً بالمطالعة. كان ينام سويعات معدودة بعد صلاة العشاء، ثم يستيقظ من ليله ليصلي التهجد، ثم يشرع في القراءة والمطالعة حتى الفجر. لم يكن عنده فراغ أبداً، فقد كان وقته مشغولاً بأعمال الخير: بالقراءة، أو بالتعليم، أو بالإصلاح بين الناس، أو بالدعوة إلى الله تعالى. أشار العلامة المحقق حسين سليم أسد إلى أنه لو كانت قراءة الشيخ نور الدين ممنهجة، لكان من أعلم علماء عصره. لم تكن ثقافة الشيخ مقتصرة على الكتب الدينية، بل كان بصيراً بواقع عصره، مهتماً بأحوال المسلمين، مطلعاً عليها. كان مشتركاً في مجلة حضارة الإسلام الدمشقية، ويطالع عدداً من المجلات الأخرى مثل مجلة المسلحون الدمشقية، ومجلة لواء الإسلام الصادرة عن مشيخة الأزهر، ومجلة التمدن الإسلامي الدمشقية، ومجلة الحكمة التي كانت تصدر في بيروت، ومجلة الأوقاف الإسلامية.
من حرص الشيخ على العلم، كان يقيده بالكتابة، ويحرص على اقتناء مصادره. حتى أنه إذا جاءته خاطرة أو فكرة وهو في المحراب، كان يسارع إلى إخراج قرطاس وقلم من جيبه ليدونها خشية أن تفوته بالنسيان، وكأنه يمتثل نصيحة الإمام الشافعي: “العلم صيد والكتابة قيدوه”. كان حريصاً على كتبه التي يقتنيها، فيقوم بتجليدها حفاظاً عليها من التلف أو العبث. وكان يغار على كتب العلم، ويعلم طلابه كيف يمسكون بالكتاب ويقلبون أوراقه، ويزجر من يخالف ذلك.
كان الشيخ نور الدين حَسَن العشرة لأهله وجيرانه، عطوفاً على أسرته، محباً لأولاده وبناته، شغوفاً عليهن، وصولاً لرحمه وأقاربه، وفياً لأصدقائه، ناصحاً لطلابه وأهل بلدته، غيوراً على عقيدته ودينه، منصفاً في أحكامه. كان يغلب عليه الجد في حياته، وغالب ضحكه التبسم. بين الفينة والأخرى كان يصطحب طلابه لزيارة علماء دمشق مثل الشيخ حسن حبنكة، والشيخ حسين خطاب، والشيخ عبد الكريم الرفاعي. كما كان يخرج مع طلابه في الصيف لقضاء نزهة في بساتين داريا.
كان الشيخ يُعد مرجعاً في بلده في فض النزاعات والإصلاح بين الناس، يرتضيه الخصوم حكماً بينهم لثقتهم بأمانته ودينه وتقواه. كان يشارك أهل بلده أفراحهم وأتراحهم، وكثيراً ما شوهد ماشياً في تشييع الجنائز. وكان إذا علم بأحد حاجة، عمل على قضائها ما استطاع. من فقهه ونباهته، كان يدرب طلابه على اعتلاء المنابر والخطابة لتكوين الكوادر العلمية والدعوية.
كان الشيخ نور الدين كريم الأخلاق، حليماً، وقوراً، أمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، متواضعاً. كان أهل العلم في دمشق يعرفون قدره، وكان الشيخ حسن حبنكة يرحب به قائلاً: “جاء نور داريا”. يُروى أنه عندما توفي ولد للشيخ عبد الرؤوف أبو طوق في السعودية عام 1976م، ذهب الشيخ نور الدين لتعزيته بملابس متواضعة جداً، حتى أنه كان يلبس نعلاً بلاستيكياً مخصوفاً في أكثر من موضع. وعند دخولهم موضع العزاء، قام جميع أهل العلم للشيخ وأجلسوه في صدر المجلس، وطلبوا منه الكلام.
في أيام الاحتلال الفرنسي لسورية، يُحكى أن شرطياً فرنسياً بات عند الشيخ، ولما قدم له الشيخ النزل، بدأ بسؤاله عن دينه وصلاته ومدى التزامه بطاعة ربه، فما كان من الضيف إلا الرحيل. عندما مات الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1970م، رفض الشيخ الصلاة عليه صلاة الغائب، مبيناً مآخذه ومثالبه. في مطالع الثمانينيات من القرن العشرين، أوذي الشيخ في دينه وتحمل ذلك صابراً محتسباً.
ابتلي الشيخ في عام 1976م بوفاة ولده الشاب محمد سعيد، وكان أكبر أولاده الذكور. أخذ محمد سعيد إلى معسكر الضمير للتدريب الجامعي، وفي يوم جمعة حاول الخروج من المعسكر لأداء فريضة الجمعة، فجاءته رصاصة غادرة أردته صريعاً. صبر الشيخ واحتسب ابنه، ودخل الحجرة التي يغسل فيها ابنه، ثم خرج ودموعه تسيل على وجنتيه، وصلى عليه صلاة الجنازة. كان أبيض اللون، ممتلئ الجسم، أقرب إلى الطول، منور الوجه، بهي الطلعة، قوي الحافظة، عف اللسان، وقوراً، مغتنماً لأوقاته بالعلم النافع والعمل الصالح. كان يجل العلماء ويثني عليهم، لكن إن رأى من أحدهم ما يخالف الشرع، من نفاق أو مواهنة، أعطاه ما يستحق.
تزوج الشيخ بامرأتين: الأولى عائشة حبيب عام 1940م، ورزق منها بنتين هما نور الهدى ومطيعة. بعد وفاتها عام 1948م، تزوج آمنة بنت محمود العبار، وأنجب منها ثلاثة ذكور: محمد سعيد، ومحمد خير، ومحمد علي؛ وست بنات: إلهام، وإحسان، وابتسام، ولمياء، وميادة، واعتدال.
في يوم الجمعة 18 صفر 1403هـ الموافق 4 كانون الأول 1982م، ألقى الشيخ خطبة الجمعة في جامع العباس، وبقي في المسجد إلى قبيل صلاة المغرب بقليل. خرج إلى بيته القريب من المسجد، وشعر بألم في صدره، فطلب من زوجه كأساً من الزهورات. دخل وقت المغرب، فجاءته بما طلب، فوجدته قد توضأ وشرع في الركعة الأولى من صلاة المغرب، ورأته ساجداً وقد أطال سجوده. نادته فلم يرد عليها، فلما حركته، وجدته قد أسلم الروح إلى بارئها، في أفضل عمل صالح.
في اليوم التالي، شيع الفقيد في منزله في جنازة حافلة لم تشهد مثلها داريا. اجتمع المشيعون في جامع العباس، وأم الناس بالصلاة عليه عقب صلاة الظهر شيخ قراء الشام العلامة حسين خطاب، الذي رثاه بكلمة طيبة. انطلقت حشود المشيعين من جامع العباس، يتقدمهم كبار العلماء، ودُفن الشيخ في مقبرة داريا الشمالية. حزن أهل داريا على فقده حزناً شديداً، وفقدوا بموته عالماً جليلاً، وربانياً عابداً، ومربياً غيوراً، وداعية مصلحاً.
]]>بدأ الشيخ رحلته العلمية في معهد الفتح الإسلامي في دمشق، أحد أبرز المعاهد الشرعية التابعة لجامعة الأزهر، حيث تلقّى علومه على يد كبار علماء الشام، وتخرّج عام 1997 بعد أن أنهى دراسته بتفوق. خلال سنوات دراسته، تعمّق في علوم الشريعة والحديث والتفسير، واكتسب أسلوبًا مميزًا في الخطابة والدعوة جمع بين الفصاحة والاعتدال.
بعد تخرجه، عُيّن خطيبًا في مسجد طلحة والزبير بدمشق، حيث بدأ نشاطه الدعوي وبرز صوته كداعية يدعو إلى إصلاح النفس والمجتمع. وفي عام 2000، انتقل إلى مدينة داريا ليعمل إمامًا وخطيبًا في جامع أنس بن مالك، الذي أصبح من أبرز المراكز الدينية والاجتماعية في المدينة. هناك أسس العديد من الدورات الشرعية والبرامج التثقيفية للشباب، فكان له دور مهم في إعداد جيل متعلم وواعي في العلوم الدينية.

الشيخ نبيل الأحمر
لم يقتصر نشاط الشيخ على المنبر فحسب، بل كان حاضرًا في حياة الناس اليومية، مشاركًا في شؤون المجتمع، حيث أسس جمعية الزواج والأسرة التي سعت لدعم الشباب المقبلين على الزواج وتقديم الاستشارات الأسرية. كما نظّم دورات متخصصة في الإعداد للإمامة والخطابة، وساهم في تخريج العديد من طلاب العلم.
ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، كان للشيخ نبيل الأحمر موقف واضح وصوت مسموع؛ إذ دعا في خطبه إلى التمسك بالحرية والكرامة والعدالة، وحذّر الشباب من الانجرار وراء العنف أو الطائفية. وفي الجمعة العظيمة بتاريخ 22 نيسان 2011، كان من أبرز الأصوات التي أيّدت المظاهرات السلمية، وقاد أول صلاة على شهداء المدينة في جنازة حضرها عشرات الآلاف من أبناء داريا.
بعد سلسلة من الخطب الجريئة والأعمال الثورية، تعرّض الشيخ لملاحقات أمنية متكررة، حتى تم اعتقاله في 24 كانون الثاني 2012 مع والده وشقيقه. أُفرج عن والده وشقيقه بعد عدة أشهر، بينما بقي الشيخ معتقلاً لفترة طويلة، وظل مصيره مجهولاً إلى أن ظهرت صور قيصر، حيث تبيّن وجود صورة له بين الضحايا، بعد رحلة طويلة من العناء والتعذيب.
ترك الشيخ نبيل الأحمر أثرًا بالغًا في نفوس أبناء مدينته وطلابه، فقد كان نموذجًا للعلم والعمل، ومثالًا يُحتذى في الجمع بين الخطاب الديني الرصين والموقف الوطني المسؤول. بقي اسمه حاضرًا كرمز من رموز داريا، وصوتًا من أصوات الحق التي آمنت بأن الحرية والكرامة حقٌّ لا يمكن التنازل عنهما.
]]>وفي عام 1983نقل إلى مديرية تربية ريف دمشق وعين مشرفاً رياضياً ثم موجهاً للتربة الرياضية وعضوا ًفي قيادة فرع ريف دمشق لطلائع البعث منذ عام 1984م ولا يزال حتى الآن يقوم بالإشراف على معلمي التربية الرياضية للمرحلة الابتدائية ومسؤولاً عن الأنشطة الرياضية الطلائعية بريف دمشق والذي كانت منظمة ريف دمشق بالمقدمة والطليعة بسبب جهده ونشاطه الدؤوب حيث نال أكثر من كتاب شكر وتقدير من وزارة التربية ومنح وساماً لريادته الطلائعية من قبل منظمة طلائع البعث عام 1994م تم إيفاده إلى جمهورية مصر العربية رئيساً لوفد الطلائع عام 1996م حيث كرم على مستوى جامعة الدول العربية وأمينها العام أحمد عصمت عبد المجيد كرائد للأطفال العرب في تلك المهمة من خلال انضباطه وإخلاصه بالعمل . وكذلك كُرّم باسم الوفد السوري من قبل السيد فاروق حسني وزير الثقافة المصري ومحافظ الاسماعيلية وغيرهم من كبار المسؤولين المصريين .
أوفد إلى الجماهيرية الليبية لتمثيل سوريا في مؤتمر رياضة الطفل العربي عام 2000م حيث ساهم من خلال مشاركة /11/ وفد عربي بوضع تصور لأنشطة رياضية للطفل العربي .
سبق له ولا يزال المشاركة في جميع المهرجانات الطلائعية القطرية التي تقام كل عام في محافظة من محافظات القطر من عام 1985 في درعا وانتهاء بمهرجان القنيطرة عام 2002م ممثلاً لمنظمة طلائع البعث بريف دمشق .
نظم المهرجان الرياضي الذي أقيم بمحافظة ريف دمشق عام 1988م في دوما وكذلك تنظيم المهرجان الرياضي بريف دمشق عام 2001م في مدينة الدير عطية ضمن المهرجان القطري لطلائع البعث .
ساهم بوضع أدلة التربية الرياضية من الصف الأول الابتدائي وحتى الصف السادس الابتدائي لمعلمي التربية الرياضية بتكليف من وزارة التربية مديرية التربية الرياضية .
كلف بإدارة نادي داريا الرياضي منذ عام 1969وحتى عام 1995م والذي ساهم في رفع مستوى النادي إلى الدرجة الثانية من خلال تدريب الفرق الرياضية على جميع المستويات وساهم في إتمام العمل بمنشأة النادي وخاصة بالمرحلة الأولى .
وفي عام 1976م انتخب عضواً لمجلس محافظة ريف دمشق عن الغوطة الغربية وبقي في مجلس المحافظة حتى عام 1983م وكان أصغر الأعضاء سناً وتم انتخابه من قبل أعضاء المجلس المذكور عضواً مراقباً ، ساهم من خلال وجوده بمجلس المحافظة المذكور من تأسيس المركز الثقافي بداريا ورصد المبالغ اللازمة لإشادته بالرغم من عدم موافقة بلدية داريا بتلك الفترة ببناء المركز الثقافي كما ساهم وبجهده الفردي بفتح شعبة الحادي عشر العلمي بثانوية داريا للإناث بعد أن تم إقفال الثانوية المذكورة لعدم توفر العدد من الطالبات لفتح الشعبة المذكورة وذلك من خلال تبني طلبه من قبل مجلس المحافظة وصدر استثناء وزاري من وزارة التربية بفتح الشعبة بناء على اقتراح من العضو محمد فايز راجح كما هو وارد بكتاب الوزارة .
وساهم كذلك بطرح فكرة البيع ما بين المنتج المستهلك للمنتجات الزراعية وإلغاء دور السماسرة مما كان له الأثر في تأسيس وحدات المؤسسات العامة للخضار لإيصال السلع من المزارع إلى المستهلك مباشرة دون استغلال .
]]>]]>

الشيخ علي بن خالد الشربجي
المدرس والمحقق والباحث الشيخ علي بن خالد الشربجي والدته أنيسة تولد 1928داريا الشمالية .
تعلم القرآن في الكتاتيب عند الشيخ عبد اللطيف الأحمر بداريا في سن الطفولة ثم دخل التعليم النظامي فكان من الدفعة الأولى بالتعلم الابتدائي بمدرسة داريا الابتدائية الأولى المسماة حالياً معن بن زائدة التحق بعدها بمعهد التوجيه الإسلامي بدمشق بعام 1948/1947م وحصل منه على الشهادة الإعدادية والثانوية انتسب لجامعة دمشق كلية الشريعة ونال منها شهادة الليسانس (إجازة) في الشريعة الإسلامية .
أعماله : عمل إماماً وخطيباً في مساجد دمشق وداريا والكويت ومدرساً في إدارة الفتوى ومدرساً لمادة التربية الإسلامية في وزارة التربية لأكثر من ربع قرن .
درس مادة علم المواريث في الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة لمدة عامين دراسيين .
عمل باحثاً شرعياً في اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التابعة للديوان الأميري في دولة الكويت منذ عام 1993م ولا يزال حتى الآن . يشارك بالعديد من المؤتمرات الدولية وكتب عدداً من البحوث وألّف وشارك واختصر وحقق الكثير من الكتب بالشريعة الإسلامية واللغة العربية وهي :
التأليف :1- تفسير البشائر – ثلاث مجلدات .
2- البرهان في شعب الإيمان – مجلد .
3- الزواجر في التحذير من الكبائر – مجلد .
4- خلاصة الكلام في الأحاديث التي عليها مدار الإسلام .
5- تفصيل الكلام في أحكام الأسرى والمحبوسين والمفقودين في الإسلام
6- حقوق الإنسان في الإسلام .
7- المسؤولية في الإسلام .
8- الأسرة السعيدة وأسس بنائها .
9- الوقف وظيفته الإسلامية وأهدافه الدينية ودوره الحضاري .
10- الثقافة الوطنية وخطر التحدي الأجنبي لها .
11- قبسات من حياة الصحابة .
12- قبسات من هدي الرسول الأعظم – ثلاثة أجزاء .
13- العقيدة الإسلامية .
14- عبادات الإسلام – أربعة أجزاء .
15- الزواج واجب ديني وضرورة اجتماعية .
16- أسلوب القرآن في الدعوة إلى الله تعالى .
17- البلغة في نكاح المتعة .
18- التعددية الفكرية المأمونة في الإسلام .
19- المرأة في رحاب السنة – مجلدان .
20- مهارات إنسانية في رحاب السيرة النبوية .
21- جريان الربا في الأوراق النقدية ووجوب الزكاة فيها .
23- المساهمات الحضارية للمرأة أصول ومعايير .
24- الشريعة الإسلامية بين النظرية والتطبيق .
25- الفأل الحسن والأمل الصالح .
الكتب التي قام باختصارها :
1- كتاب تلبيس ابليس .
2- عمل اليوم واليلة – للنسائي .
شارك في تأليف بعض الكتب التالية مع عدد من العلماء :
1- الفقه المنهجي .
2- نـزهة المتقين .
3- المنهاج القويم .
4- التفسير المستفاد من كلام رب العباد .
5- منار الذاكرين شرح عدة الحصن والحصين .
6- قرة العين شرح المنتخب من الصحيحين – مجلدان كبيران .
7- الجواهر – مختارات أدبية .
8- كتب أخرى لمقررات المدارس الشرعية في وزارة الأوقاف . في التفسير والأصول – الفرائض – الفقه – مصطلح الحديث .
الكتب التي شارك مع آخرين بتحقيقها :
1- حلية الأبرار وشعار الأخيار . المعروف بالأذكار النووي .
2- حادي الأرواح إلى دار الأفراح .
3- رحمة الأمة في اختلاف الأئمة .
4- نور اليقين – للشيخ الخضري .
الكتب التي شارك مع آخرين باختصارها :
1- الدعاء – للطبرني .
2- الأذكار للنووي .
3- ارشاد العباد – للمليباري .
4- تنبيه الغافلين – للسمر قندي .
5- المناهج في شعب الإيمان للحليحي .
وهناك أبحاث أخرى وكتيبات أخرى .

الأستاذ عبد الأكرم أمين السقا
تولد داريا 1944 والدته آمنة حصل على الشهادة الثانوية الشرعية بعام 1970م عمل بالزراعة وبتصنيع وبيع مواد البناء .
عين في أوائل السبعينات من القرن الماضي إماماً وخطيباً في مساجد داريا ثم مدرساً ومشرفاً لمعهد تحفيظ القرآن الكريم بجامع أنس عام 1988 وكان أول معهد بداريا لتحفيظ القرآن ساهم بتأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية بداريا عام 1974وشارك بنشاطها الاجتماعي والانساني من خلال عضويته فيها وترأسها أحياناً . ساهم مساهمة فعالة بإحداث الثانوية الشرعية بداريا للبنات ( اعدادي – ثانوي ) والتي تضم أكثر من ألف وخمسمائة طالبة من مدينة داريا وقرى محافظة ريف دمشق وهي ذات بناء ضخم وتعد من أكبر الثانويات الشرعية بالقطر حيث بدأ التدريس فيها بعام 1991.
افتتح مكتبة في آواخر السبعينات من القرن الماضي من أضخم المكتبات بداريا تضم العديد من الكتب المختلفة إسلامية – ثقافية – مجلات – جرائد – قرطاسية ثم أتبعها بدار نشر وطباعة وتوزيع سميت بدار السقا لديه مكتبة خاصة بمنـزله تضم ما يقرب من خمسة آلاف كتاب في علوم متنوعة مفتوحة لمن يقصدها من طلبة العلم والباحثين – إن كان للمطالعة أو للإعارة ويقدم جميع الخدمات المطلوبة لمن يقصدها على مدار الساعات والأيام – ساهم في بناء وترميم العديد من المساجد في داريا مع أهل الخير الذين هم كثر . له بعض الخلافات بالرأي مع بعض علماء الدين – له المؤلفات التالية :
1- لا يمسه إلا المطهرون طبع 1997م .
2- مؤمن آل فرعون طبع 1998م .
3- المرشد إلى سجود السهو طبع 2001م .
الكتب التي حققها :
1- شرح ذم الوسواس – تأليف موفق الدين بن قدامه .
2- الوحيد لله عز وجل – عبد الغني بن عبد الواحد .
3- ذكر الإسلام – عبد الغني بن عبد الواحد .
4- هداية الرحمن في تجويد القرآن – الحافظ عبد الوهاب الحافظ .
5- الأوراد المختارة – عبد الكريم الرفاعي .
]]>
]]>
1- رسالة ماجستير ( حقوق المرأة ) – لم تطبع .
2- فقه المرأة في القرآن والسنة – طبع 1996م .
3- خطأ الآباء يجنيه الأبناء ( مجموعة حكايا سردية ) – طبع 1999م .
4- النبأ في ستباناتي زفي وعبد الله في سبأ – طبع 2000م.
5- مجموعة شعرية – لم تطبع .
]]>

الأستاذ المحدث حسين سليم أسد الداراني
ونتيجة لهذه التجارة ربطته علاقة قوية مع أصحاب طاحونة البوابة في أول الميدان في دمشق واتفق معهم, على أن يرسل طنبرا يجلب أكياس الطحين والحبوب منها كل عدة أيام على أن يضعوا في كل كيس بندقية يوصلها إلى الثوار في الغوطة لمقاتلة الفرنسيين ,ولتقوم زوجته بمرافقة الطنبر عبر حواجز الفرنسيين التي انتشرت على الطريق حتى توصلها إلى محله بسلام . ومع هذا فقد ربطته علاقة خفية مع رجالات الحزب الوطني في الشام، وبقي كذلك حتى عاجله مرض عضال دخل إثره إلى المشفى وتشتد عليه سطوة المرض ويذهب معه المال وقد كان خلفه في محله بعض أصحابه الذين ضيعوا بسوء إدارتهم وقلة أمانتهم ما بقي من مال وليتوفى بعد ذلك ليترك زوجه وأولاده دونما معيل.
أمام هذا الواقع قامت الزوجة أم أستاذنا بتعلم مهنة التوليد ولتصبح قابلة البلد وبذلك وقت نفسها وأولادها محنة الفقر، بل راحت تنفق على المحتاجين والفقراء ولا زلت واخوتي نذكرها حينما كانت تنفق على أرحامها وجيرانها، حيث كانت ترسلنا أحيانا لإيصال كثير من الأمور والمال إليهم في دورهم كما كانت تشتري في المناسبات أثواب القماش توزعه عليهم لخياطته لهم ولأولادهم أيام العيد، وما كانت تسمع بمسجد الا وترسل له ثريا أو سجادة أو مالا حسب استطاعتها في تلك الأيام.
توفي الوالد إذن، فاحتضنته والدته مع أختين تكبره إحداهما بعشر سنين وتصغره الأخرى بعام واحد، ولقد أحاطه حزم أمه وقوة شخصيتها وحكمتها واحترام من حولها لها بعد فقد والده بسياج يحميه من كل ما ينال نفس اليتيم من جراح وآلام.
واستمرت الطفولة هادئة رتيبة، لتضعه أمه فيما بعد في بعض كتاتيب البلد – كما ذكر لنا- التي كان يعلم بها بعض المشايخ الذين كان يكثر من ذكرهم أمامنا مثل الشيخ التقي الورع عبد اللطيف الأحمر، والشيخ ابراهيم أبو حلمي، والشيخ عبد المجيد العبار وشيخ من آل حمودة، ولما كان الجامع الكبير قريبا من بيته، وكان الشيخ عبد اللطيف الأحمر إماما له، فقد كان يمر ويصطحبه إلى المسجد كلما ذهب اليه مما جعله يألف المسجد ويكثر من ارتياده على غير عادة الشباب آنذاك.
انتقاه معلم المدرسة الابتدائية من بين طلاب الكتاب الذي كان فيه ليكون تلميذا في مدرسته – وكان في بداية كل عام يقوم بانتقاء المتفوقين في الكتاب ليدخلهم المدرسة – ليدرس فيها عامين أو ثلاثة، ثم يتركها نتيجة لقسوة المعلمين وشدتهم.
وفي إثر ذلك، فتح قرب منزله دكان حلاقة بعد أن تعلم الحلاقة عند أحد حلاقي البلد، حيث كانت بالنسبة له مرحلة تعلم فيها الكثير من أمور الحياة، لأنه كان يأتيه فيها وجهاء البلد ومخاتيرها الذين اختاروه ليكون جليسهم، يقرأ عليهم من الكتب والقصص التي اعتاد الناس عليها كعنترة والزير سالم وسيف بن ذي يزن، ويردد عليهم الأشعار والنوادر التي ألمَّ بها في ذلك الوقت، ومن هنا اكتسب الخبرة الاجتماعية والشجاعة في الاختلاط بالآخرين حتى صار بعد فترة وجيزة مفتاحا لعقدهم وحلَّالا لمشاكلهم يحترمونه ويستشيرونه في كثير من الأمور، ولعل هذا ما شجعه على العودة إلى إتمام دراسته فجمع الدراسة ليلا مع الحلاقة نهارا وليتم المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية في دمشق، ومن ثم الثانوية رغم صعوبة التنقل وبعد الطريق، وكلَّما ازداد علمه، علت مكانته، وزاد حب الناس له، وقربه من وجهائهم، وعظم احترامهم له، واشتغل أثناء ذلك في التعليم لفترة وجيزة، وترك الحلاقة ليدخل الجامعة السورية في قسم اللغة العربية.
لم يكن في البلد في ذلك الوقت إلا القليل من المتعلمين، ولم ينل الثانوية قبله فيها إلا أربعة أشخاص أو خمسة فقط وشكلت الجامعة تحديا كبيرا له أثبت فيها أنه أهل لتجاوز كل الصعاب، فقد انكبَّ على الدراسة والكد حتى أنهاها دون أي تأخير.
في ذلك الحين امتلأت الجامعة بكبار الأساتذة والعلماء الذين كان يذكر فضلهم على الدوام ومنهم الدكتور صبحي الصالح والأستاذ سعيد الأفغاني، والأستاذ عمر فروخ، والأستاذ راتب النفاخ، والدكتور مصطفى السباعي رحمهم الله تعالى وكل هؤلاء وغيرهم من الجهابذة في الجامعة وغيرها كان لهم الأثر الكبير في تحديد بنيانه الفكري وتوجيه دفة سفينته.
نضج قبل الأوان:
قبل أن أسترسل في هذه المرحلة الهامة من حياة الوالد، لا بد لي من ذكر أن كثرة اختلاط الوالد بمشايخ البلد ووجهائها جعله يطلع على معظم أمورهم، فتجاوز بذلك رهبة الكثير من الهالات التي كانت تخدع الكثيرين مما يجعلهم يشعرون بالوجل أمامهم، ولذلك زال هذا الحاجز عنده، بل صار جريئا معهم حتى أنهم صاروا يخشون لسانه ويخافونه لأنه يعرف عنهم الكثير، بل يعرف عنهم أمورا لا يعرفها أقرب الناس إليهم، وجعله ذكاؤه وحافظته وسعة اطلاعه لا ينخدع بمن حوله ولا يعطيه أكثر من حجمه لأنه يعرفه تماما، وهذا كان شأنه مع كبار البلد ومن يراهم الناس كبارا فكبر أكثر في عيون العامة من الناس الذين كانوا يرونه يخالط هؤلاء الكبار ويتعامل معهم ويعاملونه بكامل الاحترام و التقدير، بل راحوا يعيرون أولادهم به ويطلبون منهم أن يكونوا مثله ويحذو حذوه، وغدا بعد عمله بالتدريس عند الجميع معلما ومدرسا كبيرا ووجيها عالما ينظرون إليه بالإعجاب والتبجيل في زمن ساد فيه الخواء والفراغ.
الأمكنة التي علم فيها:
لقد امتدت هذه الفترة (1950 – 1962 ميلادي)إلى بدء ستينيات القرن العشرين تقريبا وتنقل خلالها في التدريس في عدة محافظات سورية، حيث ابتدأ التعليم في محافظة القنيطرة بالحميدية، ثم إلى الكسوة في محافظة دمشق، ثم إلى داريا، ثم إلى تدمر في محافظة حمص، ليعود بعدها إلى مدينة دمشق ليدرس اللغة العربية في مدارسها ومعاهدها ويحط رحاله في إعدادية عباس محمود العقاد، وخلال وجوده فيها درس لفترات قصيرة في عدة معاهد ومدارس أخرى .
وخلال هذه التنقلات كان يزداد خبرة وإدراكا لما حوله، ويزيد معه اعتماده على نفسه بعد أن كانت والدته قد أراحته من معظم عناءات الحياة وعذاباتها ، وما عهدناها حينما وعينا الا راضية عنه، داعية له بأدعية غدت عندنا جميعا نشيدًا ينشر في نفوسنا كل سكينة واطمئنان.
زواجه:
وكذلك كان زواجه في هذه الفترة من شريكة دربه أم سليم، التي كانت السكن واللباس والظل الظليل الذي يخفف عنه مصاعب الحياة ولقد تمَّ ذلك في عام 1956 ميلادية، وأم سليم قريبة له تعلمت قراءة القرآن في أحد كتاتيب البلد على غير عادة الإناث آنذاك، حتى صارت تجيد قراءة القرآن الكري، لكنها لم تتقن الكتابة، إلا أن ذلك لم يقلل من قيمتها في إعداد البيئة التي عاش فيها الوالد وأكمل مسيرته .
فقد أعانته على البر بأمه فوق بره بها صابرة مطيعة قريبة من الجميع لا تحسن الخصام مع أحد، أحبتها والدته مثل بناتها وأكثر حتى كانت تفضلها عليهنَّ، وتخصها بأمور لا تطلعهن عليها؛ لكثرة برها بها، وقربها منها، وحُسن تعاملها معها، خاصة بعد أن فقدت بصرها في آخر أيامها.
كما أنها حضنت أولادها وربَّتهم معه تربية شهد بحسنها القاصي والداني خلقا ونظافة وذوقا وتعاملا كما لو أنها كانت خريجة أرقى المعاهد وأعلى الجامعات.
لقد خلفته أم سليم في بيته وأهله، فكانت أمًّا رؤومًا لأولاده، وزوجة بارة مطيعة له، بارة بأمه وأهلها بشكل يثير الإعجاب ممَّا أكسبها حب الجميع من أهله وأهلها، لكن هذا لم يمنعها أحيانا من التبرم من كثرة إحضاره للكتب، وطول مجالسته لها دونها ودون أولادها، حتى صارت أحيانًا تتبرم متندرة حينما تتأخر قليلا في الطعام ونسألها عنه، فتقول: سأطبخ لكم الكتب التي جلبها والدكم.
يتبع انتقل للصفحة التالية….
محمد بدوي الديراني.. خطاط سوري من مواليد دمشق – داريا عام 1894 وتوفى فيها عام 1967. يعتبر أحد أبرز أعلام الخط العربي في سوريا خلال القرن العشرين.. تتلمذ على يديه عدد كبير من الخطاطين والتشكيليين الحروفيين المعاصرين في سوريا.
عندما بلغ الثانية عشرة من عمره، ابتدأ رحلته مع الخط، حيث تتلمذ على يد الخطاط الشهير مصطفى السباعي ولمدة خمس سنوات، لازمه خلالها وأخذ عنه قواعد الخط الفارسي، ثم تابع دراسة الخط العربي على يد الخطاط يوسف رسا الذي أرسلته الحكومة العثمانية إلى دمشق لكتابة ألواح الجامع الأموي ولازمه الديراني في عمله لمدة أربع سنوات، أخذ عنه خلالها قواعد الخط الديواني والثلث والنسخ والرقعة. اتصل الديراني بالخطاط الشهير ممدوح الشريف فأخذ عنه قواعد الخط الكوفي والديواني الجلي. وفي العام 1954 سافر إلى استنبول للإطلاع على فرائد الخط العربي فيها، وفيها نزل ضيفاً على الخطاط الشهير حامد الآمدي. كما زار الديراني الإسكندرية، فاطلع على الخط المرقوم في مساجدها، وقابل مشاهير الخطاطين فيها، ومن الإسكندرية سافر إلى القاهرة ونزل ضيفاً على الخطاط حسني البابا، ثم عاد إلى استنبول، ومنها إلى النمسا حيث كان ولده البكر يدرس الطب فيها.
بعد استكماله لعلوم وقواعد الخط العربي افتتح الخطاط بدوي الديراني مكتباً في التكية السليمانية وسط دمشق، متخذاً الخط حرفة ومهنة، وقد مكث في هذا المكتب نحو أربعين عاماً دَرّس في أثنائها فن الخط العربي لهواته ومحترفيه. وكان يريد نسخ القرآن الكريم بخطه، لكنه لم ينجز منه سوى ثلاثين صفحة من سورة البقرة.
ترك الخطاط الديراني مجموعة كبيرة من الأعمال الخطيّة الفنيّة الرفيعة في مستواها الجمالي، وإتقانها الحرفي، بعضها حملته العمائر المدنيّة، وبعضها الآخر الدينيّة، منها الكتابات التي ترصع جوامع: الروضة، والمنصور، والثريا، وكريم الدين، والمرابط، والعثمان، والفردوس… وغيرها من بيوت الله في دمشق.
ومن المنشآت المدنية التي تحتضن أثاراً بديعة له، مبنى مجلس الشعب، ومبنى لجنة مياه عين الفيجة، ووزارة العدل، وكذلك شهادات خريجي جامعة دمشق وحلب، وله كتابات ولافتات كثيرة على أبواب الدور والمتاجر والمكاتب. ومن أثاره في الدول العربية خطه المرقوم في جامع الخلية السعودية في بيروت ولافتات ودليل غرفة تجارة الكويت.
مُنح الخطاط بدوي الديراني عام 1968 وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى، وقد استلمه أبناؤه وأقيم على هامش هذه المناسبة معرض لأعماله في قاعة المعارض في متحف دمشق الوطني وأفرد ضمن المعرض جناحا خاصا لأعمال كبار الخطاطين السوريين المعاصرين.
يقول الخطاط العراقي الشهير هاشم البغدادي إن بدوي الديراني كان خطاطاً كبيراً، سحره في تناسب الكتلة لا يدانيه أي خطاط في عالمنا الكبير. طبع شاميته على خطه، وانتقى لنفسه منهجاً تميز به عن أساليب الفرس.
أما الخطاط والباحث في الفنون الإسلاميّة وأحد تلاميذ الخطاط الكبير بدوي الديراني الأستاذ (أحمد المفتي) فيرى أن أهم ما يميز بدوي هو قواعده التي سكبها على خط التعليق والتي امتازت بالبساطة واليسر والوضوح والتجاوز عن الغلوّ والتقعير والتنافر.
ويؤكد انه اقتفى في خطوط اللوحة الفنيّة خطوات الأساتذة الذين سبقوه وحاول أن يلتزم بالميزان في نسبة الحروف وأضاف التوازن إلى المد والقصر، وحاول أن ينسّق فيما بين الكتل، وقد يتجاوز القاعدة أحياناً لسلامة التذوق.
ويشير الباحث المفتي إلى أن بدوي سحر الناس بجمال خطه في التعليق وأصبح الأستاذ والخطاط المتفرد في بلاد الشام بعد وفاة أستاذه وصديقه ممدوح الشريف سنة أربع وثلاثين وتسعمائة وألف ميلادية، ويرى أن ما قدمه خطاط بلاد الشام لخط التعليق من العناية والدراية، رفع التذوق الفني في نفوس العامة والخاصة في بلاد الشام وأصبح رجال الفكر والتعليم يدركون ما للخط من أهمية في حياة الإنسان، فأدخلوه ضمن البرنامج التعليمي وقد تعلم على يديه، إضافة إلى أعلام الخط السوريين المعاصرين، بعض الكتاب والشعراء منهم: نزار قباني، الدكتور شاكر مصطفى، نجاة قصاب حسن، ياسر المالح… وغيرهم.
]]>