لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب
اللجنة الفرعية المعنية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا
مصر: عامان بعد مرسي (الجزء الأول)
شهادة صامويل تادرس
كبير باحثين بمركز الحريات الدينية بمعهد ’هدسون‘
20 مايو 2015
السيدة الرئيس، النائب الأقدم ’دويتش‘ (Deutch)، أعضاء اللجنة الموقرين
أشكركم على عقد هذه الجلسة الهامة، وعلى دعوتي اليوم للإدلاء بشهادتي حول مصر بعد مرور عامين على انتهاء حكم ’مرسي‘.
خلال فترة الأربع سنوات ونصف الماضية، وبعد عقود من الركود السياسي، تزعزعت أساسات النظام السياسي في مصر في جوهرها، إذ واجه المواطنون أسئلة حول الديمقراطية، وسيادة القانون، وهوية البلاد. وفي يوليو 2013، في أعقاب احتجاجات شعبية، عزل الجيش الرئيس ’مرسي‘ من منصبه، ليقطع وعدًا للشعب المصري لا بعهد جديد من الاستقرار والأمن فحسب، ولكن أيضًا بالرخاء والمساواة بين المواطنين. ومنذ انتخابه رئيسًا للجمهورية في مايو 2014، تقع مهمة تحقيق هذه الأحلام على عاتق الرئيس السيسي. وفي حين أن مصر تواجه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية هائلة، فإنَّني سوف أركِّز في شهادتي اليوم على مسائل الحرية الدينية، وسيادة القانون، ودعوات الإصلاح الديني. وسوف يكون من دواعي سروري أن أتناول جوانب أخرى من التحديات التي تواجه مصر في الجلسة المخصصة للأسئلة.
في 26 مارس 2015، تجمَّع حشد من الناس في قرية الجلاء بمحافظة المنيا، وبدأوا في مهاجمة منازل المسيحيين ومتاجرهم. وكان الغضب قد تمَّلك الحشد المذكور إزاء حصول المسيحيين على تصريح لهدم الكنيسة المحلية التي تخدم 1400 قبطي وإعادة بنائها. وكان الأقباط قد حصلوا على تصريح عام 2004 لبناء كنيسة جديدة أكبر حجمًا، بعد تردي حالة مبنى الكنيسة القديمة ونظرًا لعدد الأقباط المتزايد. إلا أنَّهم مُنعوا مرارًا وتكرارًا من تحقيق ذلك. وفي يناير 2015، سعى الأقباط لتجنب المواجهة من خلال ترميم الكنيسة القديمة، إلا أنَّ الحشود هاجمتهم. وفيما صار ممارسة معتادة، طالبت الحشود بألا تحمل الكنيسة أي علامة دينية مسيحية خارجية: فلا قبة، ولا صليب، ولا برج، ولا جرس. وأن يكون مدخلها من شارع جانبي. وبدلًا من حماية الأقباط والحفاظ على سيادة القانون بالسماح ببناء الكنيسة، أجبرت قوات الأمن والسلطات المحلية الأقباط على عقد جلسة صلح، وضغطت عليهم لقبول تلك المطالب. ونتيجة لهذا السلوك من جانب الشرطة، تمادى المحتجون فأضافوا مطلبًا جديدًا، بأن ينشر الأقباط اعتذارًا للأهالي المسلمين في الصحف عن شكواهم بشأن الهجوم عبر وسائل الإعلام وتشويههم لصورة القرية. وعلاوة على ذلك، كان على الأقباط توقيع اتفاق مفاده أن يلتزموا بعدم السعي إلى بناء كنيسة جديدة في حال تهدمت الكنيسة القديمة في المستقبل. وبعد أن رفض الأقباط قبول تلك المطالب، تجدد الهجوم في أبريل وألقيت الحجارة على منازل الأقباط، وتعرضت متاجرهم للنهب، وأصيب سبعة أقباط جراء الاعتداءات. وسيرًا على نهجها المعتاد، ألقت قوات الأمن القبض على 28 رجلًا من القرية، من بينهم 12 قبطيًا. وكان الهدف من هذا الإجراء الضغط على الأقباط للموافقة على عقد جلسة صلح جديدة. وإلى يومنا هذا، ما زال الأقباط ممنوعين من بناء كنيستهم.
ولسوء الحظ، فإن حالة قرية الجلاء ليست فريدة من نوعها. ففي قرية العور المجاورة، مسقط رأس 13 قبطيًا ممن ذبحهم تنظيم داعش في ليبيا، هاجم حشد آخر منازل الأقباط في 27 مارس بذات الهدف: منع بناء كنيسة. وكان الرئيس السيسي قد أصدر قرارًا ببناء الكنيسة المذكورة تكريمًا للشهداء الأقباط، و كرمز لمصر الجديدة، التي يُعامل فيها الأقباط كمواطنين متساوين في الحقوق. ولكن بدلًا من ذلك، باتت تلك الكنيسة رمزًا لمصر التي يواجه فيها الأقباط العنف بسبب عقيدتهم، ويُعامَلون كمواطنين من الدرجة الثانية. واستُخدمت الحجارة، وزجاجات المولوتوف في ذلك الهجوم، ولكن بدلًا من المحافظة على سيادة القانون بإلقاء القبض على المعتدين ومحاكمتهم، عقد المحافظ جلسة صلح بين الطرفين. ونظرًا لعدم قدرة السلطات المحلية على الرجوع عن وعد قطعه الرئيس، أُجبر الأقباط على القبول بأن تكون الكنيسة في أطراف القرية. وبطبيعة الحال، شجَّعت تصرفات السلطات الحشود، وفي 29 أبريل هوجم منزل أحد الضحايا الذين ذبحهم تنظيم داعش في ليبيا.
كما وقعت حادثة مشابهة بقرية الطليحات بمحافظة سوهاج في 11 أبريل الماضي، حينما تملَّك الغضب الحشود إثر شائعات بأنَّ قبة ستُبنى فوق الكنيسة. إلا أنَّ الحشود لم تكن وحدها في مهاجمة الأقباط، ففي 9 أبريل، منعت قوات الأمن الأقباط من بناء كنيسة في أبو قرقاص بمحافظة المنيا. وفي 4 أبريل، هاجمت الشرطة مبنى في مغاغة كان الأقباط يستخدمونه ككنيسة منذ أكثر من عشرة أعوام، وصادرت الشرطة أدوات المذبح والأناجيل. واتَّهم الأنبا ’أغاثون‘، الأسقف الذي تتبعه الكنيسة، علانية قوات الأمن بتحريض المسلمين ضد جيرانهم المسيحيين.
بيد أنَّ التهديدات التي تواجه الحرية الدينية لا تقتصر على الهجمات العنيفة. فقد عانت الأقليات الدينية مثل الأقباط والبهائيين والشيعة لعقود من مجموعة من السياسات التمييزية، تتضمن قيودًا هائلة على بناء الكنائس وترميمها، وإقصاء المسيحيين من الوظائف الحكومية الهامة، وتجريم التحول إلى المسيحية، والقبض على الشيعة بتهمة ممارسة شعائر عقيدتهم، ورفض إصدار بطاقات هوية للبهائيين. وفيما تباينت مستويات التمييز والاضطهاد في ظل الأنظمة المتوالية، إلا أنَّها تمثل جزءًا من نمط مستمر ومتنامي.
وفي أعقاب الثورة المصرية في عام 2011، ظهر تهديد جديد في صورة اتهامات بازدراء الأديان نتج عنها أحكام قضائية متتالية، في قضايا تراوحت بين نشر المتهم لمواد اعتُبرت مسيئة للإسلام على موقع فيسبوك، إلى أن يكون المتهم من بين من أُرسلت إليهم مواد من هذا القبيل. وينتج عن هذه الاتهامات تلقائيًا هجمات من السكان المحليين، لا على منزل المتهم وحده، بل على جميع منازل المسيحيين المجاورة. ولم تكُن المحاكمات التالية لتلك الاتهامات إلا امتهانًا ساخرًا للعدالة، في محاكم حاصرتها الحشود الغاضبة في بعض الأحيان، أو متهمين محرومين من حقهم في الدفاع القانوني.
ولم تتوقف اتهامات ازدراء الأديان ومحاكماتها في عهد الرئيس ’السيسي‘. ففي 10 يناير، صدر الحكم بسجن ’كريم أشرف البنا‘ ثلاثة سنوات، وأيَّدت محكمة الاستئناف الحكم فيما بعد. وفي 16 فبراير، صدر الحكم بسجن ’شريف جابر‘ عامًا واحدًا عقابًا على إنشاء صفحة للملحدين على موقع فيسبوك. وفي 28 أبريل، صدر الحكم بسجن ’مايكل منير بشاي‘ عامًا واحدًا لمشاركته لمقطع مصور أذاعته قناة تلفاز مصرية على موقع الفيسبوك. وفي 12 مايو، عوقب الشيعي ’محمود دحروج‘ بالسجن ستة أشهر لاقتنائه كتبًا شيعية داخل منزله. وأخيرًا، في 8 أبريل، أُلقي القبض على مدرس قبطي وخمسة تلاميذ أقباط بتهمة تصوير فيديو يسخر من تنظيم داعش، لكن لم يصدر حكم بعد في قضيتهم.
إلا أنَّ الأمثلة وقضايا ازدراء الأديان المذكورة أعلاه لم تكُن الأولى، ولن تكون الأخيرة، ما لم يبدأ النظام المصري في مواجهة الأسباب الجذرية للأزمة الطائفية المستوطنة بجدية، إذ أنَّ عجز نظام السيسي عن الحفاظ على سيادة القانون وحماية المسيحيين من الاعتداءات لا يبشِّر بالخير لأكبر مجتمع مسيحي في الشرق الأوسط. وبينما يعتقد النظام المصري أن لجوءه إلى جلسات الصلح كبديل عن عقاب المعتدين يساعد على استعادة النظام ويحافظ عليه، إلا أنَّ الواقع عكس ذلك تمامًا. إذ أنَّ غياب العقاب أوجد ثقافة عدم المساءلة، والتي تحولت بدورها إلى ثقافة تشجيع. فقد استنتج المتعصبون، ولهم الحق في ذلك، أنَّ مهاجمة الأقباط لن تمر دون عقاب فحسب، بل الأهم من ذلك، أنَّها ستسفر عن تلبية مطالب الحشود. فالنظام المصري يحتاج لتوفير مزيد من الحماية لمواطنيه الأكثر ضعفًا، وأن يمنع وقوع تلك الهجمات، وأن يعمل على إنفاذ سيادة القانون بتقديم المعتدين إلى العدالة. ويحتاج النظام المصري أيضًا إلى تفهُّم أنَّ حماية الأقليات الدينية ليست من ضروب الترف التي تحتل مرتبة أقل من التعامل مع التهديدات الأمنية الخطيرة، أو أنَّ معاقبة من يهاجمون الأقباط أمر يمكن أن ينتظر استتباب الأمن والاستقرار. إذ أنَّ من يهاجمون الأقباط يحملون ذات مشاعر الكراهية التي تؤجج الإرهاب، ولا يمكن تحقيق الاستقرار أو الأمن إذا لم يلقَ المجرمون عقابهم. وفي الوقت ذاته، لا ينبغي استخدام اتهامات ازدراء الأديان كوسيلة لإرهاب الأقليات الدينية.
وقد صدر عن الرئيس السيسي بعض الإشارات الرمزية تجاه الأقباط، مثل زيارة الكاتدرائية عشية عيد الميلاد، وأصبح على علاقة جيدة بالبطريرك ’تواضروس الثاني‘. ولكن من الضروري أن تتبع تلك الإشارات الرمزية خطوات ذات معنى. فعلى الرغم من الوعود المتكررة، فشل النظام في تمرير قانون جديد يحكم تشييد دور العبادة، الأمر الذي من شأنه أن ييسر إجراءات بناء الكنائس. ورغم التصريحات المتكررة بأنَّ جميع المصريين سواسية، ما زال الأقباط يعانون من التمييز في التعيين في الوظائف الحكومية، ولا تزال القيود غير الرسمية المفروضة على عدد الأقباط في المؤسسات الحساسة مثل الجيش والشرطة قائمة، بل إنَّ العديد من تلك المؤسسات، مثل المخابرات والأمن الوطني، لا تضُم قبطيًا واحدا بين صفوفها. فيحتاج الرئيس ’السيسي‘ إلى إبطال تلك الممارسات التمييزية، ووضع نظام للخدمة المدنية يقوم على الجدارة، وليس العقيدة.
وفي خطابه أمام علماء الأزهر، شدَّد الرئيس ’السيسي‘ على الحاجة إلى الإصلاح الديني. فلم يعد ممكنًا أن تقتصر الحرب على الإرهاب على الوسائل الأمنية، بل يجب أن تصحبها مجموعة من السياسات التي تتعامل مع جذور التطرف والإرهاب. فقد أكَّد الرئيس ’السيسي‘ على ضرورة تغيير الخطاب الديني الذي يحض على الكرهية. وبينما تأتي دعوة الرئيس ’السيسي‘ كخطوة مرحب بها، إلا أنَّ النظام المصري يحتاج إلى إثبات جديته من خلال البدء في عملية الإصلاح. إلا أنَّ الدولة المصرية لم تفعل ذلك، بل على العكس، قُلبت تلك الدعوة رأسًا على عقب بقيام وزارة الأوقاف بتشكيل مجموعات لنشر الوعي بالتهديدات التي يمثلها الملحدون والشيعة والبهائيون.
ويمثِّل النظام التعليمي المصري نقطة بدء جيدة. فعلى الرغم من المحاولات المتعددة لإصلاحه، والتي موَّلت بعضها وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنَّ نظام التعليم الحالي في مصر بمثابة حاضنة للتشدد والتعصب ويجب أن تبدأ مواجهة مسائل عدم التسامح والتطرف والتعصب في النظام التعليمي المصري من خلال هيكل النظام ذاته، وعدم الاكتفاء بتعديل المناهج كما جرى في المحاولات السابقة. وينبغي أن تكون المدارس التابعة للأزهر، وهي تضم 24.3 % من طلاب المدارس الثانوية غير الفنية في مصر وتعلِّم مناهجها التعصب ضد غير المسلمين وتساعد على نشر التطرف بين الطلاب، خاضعة لإشراف وزارة التعليم. وينبغي ألا يستمر تعليم الطلاب أنَّ قوانين الذمة مسألة يجب التمسك بها، أو أنَّ المسيحيين ينبغي عليهم دفع الجزية، أو أنَّ بناء كنائس جديدة في دار الإسلام أمر محظور. وينبغي ألا يعتمد إصلاح المناهج التعليمية على الإضافة العشوائية لبعض الأقسام حول قيَم التسامح والمواطنة في الكتب، بل أن يكون من خلال نهج متعدد التخصصات يشدد على قيَم المساواة والسلام واحترام وجهات النظر الأخرى، في جميع أجزاء المناهج التعليمية.
وينبغي أن تتوقف المدارس المصرية عن تخريج طلاب لا يعرفون شيئًا عن العالم المحيط بهم، بل لا يرون إلا فراغًا يملؤه الإسلاميون بالأكاذيب ونظريات المؤامرة. بل ينبغي أن يتعلم الطلاب تاريخ العالم، وتاريخ الأفكار والأديان والثقافات العالمية، لكي يتسنى لهم الوصول إلى فهم الثروة التي يوجدها التنوع واحترام ذلك، وينبغي أيضًا أن تتضمن مناهج التاريخ المصرية الإسهامات الهامة التي قدَّمها المسيحيون واليهود والنساء في المجتمع المصري. وعلى رأس كل هذه الجهود، يجب إيلاء الاهتمام لتعليم المدرسين ذاتهم، نظرًا لدورهم المحوري في كيفية تدريس المناهج وفهمها. وعلاوة على ذلك، ينبغي على وزارة التعليم أن تتوقف عن سياسة إقصاء المدرسين المتطرفين إلى المحافظات النائية في جنوب البلاد، الأمر الذي يجعل من تلك المحافظات مكانًا مثاليًا لتجنيد المتطرفين، وأن تضمن ألا يستمر أي مدرس متطرف في عمله داخل فصول المدارس.
ولن تضع مصر قدميها على طريق الاستقرار والرخاء إلا بمواجهة الأسباب الجذرية لمحنة الأقليات الدينية، والتصدي للتطرف وجهًا لوجه باستئصاله من فصول المدارس، والتمسك بسيادة القانون، ومعاملة جميع المواطنين المصريين بمساواة ودون تمييز، ومنع الهجمات على الأقباط. ويجب على مصر أن تأخذ هذه الخطوات، بل وغيرها كثير، إلا أنَّها ستحتاج إلى مساعدة من أصدقائها الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
وفي 11 يناير 1974، وصل وزير الخارجية الأمريكي السابق ’هنري كيسينجر‘ (Henry Kissinger) إلى أسوان لبدء جولة دبلوماسية مكوكية بين العواصم العربية والقدس. وبينما كان الهدف المباشر للجهود الدبلوماسية التي بذلها ’كيسينغر‘ ضمان الاتفاق على مقترحات فض الاشتباك في أعقاب حرب 1973، إلا أنَّ وزير الخارجية الأسبق سرعان ما اكتشف شريكًا راغبًا في شخص الرئيس المصري الأسبق ’أنور السادات‘. وفي الأعوام اللاحقة، تحققت مصالح أمريكية استراتيجية رئيسية في الحرب الباردة، حيث لم يوافق ’السادات‘ على السعي إلى إحلال السلام الدائم بين دولته وإسرائيل فحسب، بل أيضًا على انفصال مصر عن المعسكر السوفيتي، وانضمامها رسميًا للمعسكر الأمريكي، في مقابل عودة سيناء كاملة إلى السيادة المصرية. وفي مقابل المساعدات المالية والعسكرية والتنموية الأمريكية، صارت مصر حليفة للولايات المتحدة، وراود الأمل الإدارات الأمريكية المتعاقبة في أن تقود مصر المنطقة بعيدًا عن طريق الحرب والدمار، وأن تفتح الباب أمام عهد جديد من السلام والتعاون.
وعبر نحو ثلاثين عامًا، كانت تلك المعادلة ناجحة. فعلى الرغم من الخلافات المستمرة بين مصر والولايات المتحدة بشأن مجموعة متنوعة من الأمور، مثل عملية السلام، والسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، إلا أنَّ شراكة وثيقة نمت بين مصر والولايات المتحدة لمواجهة مجموعة من التحديات الأمنية من غزو ’صدام‘ للكويت عام 1990 إلى مسألة الإرهاب. والأهم من ذلك أنَّ اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، على الرغم من برودها، استمرت.
إلا أنَّ مصر اليوم ليست مصر التي زارها ’كيسينغر‘ عام 1974 وبنى معها شراكة دائمة. فبدلًا من أن تصير مصر لاعبًا إقليميًا يقود المنطقة إلى السلام، أصبحت ملعبًا للصراع بين مجموعة متنوعة من القوى الدولية والإقليمية والمحلية التي تتنافس في حرب شاملة على وضع المسار المستقبلي للبلاد. فمصر لم تعد أحد المتسابقين، بل أصبحت هي نفسها قصب السبق. وبالرغم من هذه التغيرات، لم تتغير السياسة الأمريكية بالتبعية لتتعامل مع الظروف المتغيرة، واستمرت الولايات المتحدة في بناء سياساتها بشأن مصر على صورة لم يعد لها وجود.
ويجب تغيير ذلك. فبينما تستمر مصر في مواجهة تحديات قاسية على أصعدة أمنية واقتصادية وسياسية متنوعة، تحتاج الولايات المتحدة إلى تغيير سياساتها تجاه مصر لمواجهة تلك التحديات. وبدلًا من أن تأمل الولايات المتحدة في أن تصبح مصر دولة تقود الشرق الأوسط إلى السلام، تحتاج بدلًا من ذلك إلى أن تعمل على ألا تنحدر مصر إلى الفوضى الإقليمية التي ضربت العديد من البلدان العربية. ولا ينبغي أن تقتصر المصالح الأمريكية في مصر على الحفاظ على معاهدة السلام، وضمان العبور الحر لقناة السويس، والسماح برحلات الطائرات العسكرية الأمريكية في سمائها. فبدلًا من ذلك، ينبغي أن تعاون الولايات المتحدة مصر على مواجهة تحدياتها الدائمة والتغلب عليها. فلا أحد، ولا سيما الولايات المتحدة، يريد صومالًا على وادي النيل، أو ليبيا على حدود إسرائيل، أو سوريا تسيطر على قناة السويس.
وأشكركم مجددًا على عقد هذه الجلسة، وأتطلع لأسئلتكم.
]]>يستحيل أن تكون أي عقلية مصرية قد شاركت في التصميم الموجود، أو أن يكون قد طُرح للمناقشة مع أي فنان أو معماري مصري. فالتصميم ما هو إلا تصميم مستقبلي، على غرار التصميمات التي عرضتها الشركات على شيوخ و مستثمري الخليج يوميًا خلال فترة بناء ناطحات السحاب التي اجتاحت الخليج
فالسؤال الأول، وبناء على ما هو مٌعلن على الموقع الاليكتروني، فإنَّ المطوِّر شركة كابيتال سيتي، وهي ليست أكثر من موقع إليكتروني، وليست كيانًا حقيقيًا، يُقدم معلومات عن محمد العبار. ولكن أي مشروع عقاري يجب ان يكون له شركة تطوير، و مجلس إدارة تتكون عضويته من ممثلي الشركات المساهمة. فهل هذا الكيان هو وزارة التخطيط؟ أم وزارة الاستثمار؟ أم شركة منبثقة من الوزارتين معًا؟ ومن الممثل عنهم في شركة كابيتال سيتي؟
فالمشروع الاقرب لمشرع كابيتال كايرو هو مشروع مشيرب قلب الدوحة مع فارق الحجم الشاسع بين المشروعين، ومنذ أن وُلدت فكرة المشروعـ أُعلن أنَّ المطوِّر شركة مشيرب العقارية المملوكة لمؤسسة قطر فاونداشن، المملوكة للدولة. وترأست الشيخة موزة مجلس ادارة الشركة، وأُعلن عن هوية المشروع، وعن الرؤية التي صُمِّم على أساسها. فهل يمكن للوزارة أن تُجيب عن أي أشئلة بشأن هوية المعماري الذي صمَّم المدينة؟
يبدأ أي تصميم جديد لمشروع عمراني بما يُسمى بأُسس التصميم. وهو اجتماع يحضره المالك، الدولة في هذه الحالة، مع مهندسين من جميع القطاعات و الصناعات، لكتابة ما يسمى بـ Basis Of Design، وفي هذه الحالة، وبما أننا نتحدث عن عاصمة مصر، فمن الواجب أن يحضر تلك الجلسات أساتذة العمارة و هندسة الطرق والكباري بجامعات مصر، ومندوبي وزارات النقل والدفاع والري، وأساتذة الاستدامة في المراكز البحثية المصرية، وأن يُشارك الجميع في وضع أُسس التصميم المطلوبة، ليتمكن منها المكتب المعماري المصمم، ثم يبدأ في التصميم.
يستحيل أن تكون أي عقلية مصرية قد شاركت في التصميم الموجود، أو أن يكون قد طُرح للمناقشة مع أي فنان أو معماري مصري. فالتصميم ما هو إلا تصميم مستقبلي، على غرار التصميمات التي عرضتها الشركات على شيوخ و مستثمري الخليج يوميًا خلال فترة بناء ناطحات السحاب التي اجتاحت الخليج. التصميم المعروض يقتل هوية المعمار المصري على مر تاريخه. فلا توجد أي لمسة معمار فرعوني، أو إسلامي، أو حتى أوروبي. فالتصميم خليجي إماراتي خالص، لا يصلح إلا لمدن الصحراء العربية.
فاذا كنا نريد عاصمة جديدة حقًا، علينا التعلم من مشروع اصغر بكثير هو مشيرب قلب الدوحة، الذي حافظ في التصميم المعماري والداخلي لجميع المباني و الفنادق المصممة على الهوية المعمارية لمنازل الدوحة القديمة الطينية البسيطة.
أمَّا السؤال الثاني، فيتعلق بالأمور التعاقدية. إذ أنَّ الفيديو المعروض للعاصمة المصرية يبدو كأنه ليس إلا تصميمًا ترويجيًا لمدينة خليجية جديدة، جاءت به إحدى شركات التطوير العقاري الإماراتية، والتي أجمع الجميع على أنَّها شركة إيجل هيلز الإماراتية.
ورفضت شركة إعمار الرد على أي أسئلة تتعلق بمشروع كابيتال كايرو، إلا أنَّ وجود محمد العبار، مؤسس الشركة و مؤسس إيجل هيلز في المؤتمر، يجعل علاقة إيجل هيلز بكابيتال سيتي علاقة ملكية. مما يعني أنَّ الأمر يشوبه تجاوزات قانونية و تعاقدية صارخة من الجانب المصري الذي لم يعلن عن أي تفاصيل بشأن سعر الأرض. ومن ثمَّ، يُصبح التوقيع علي صفقة بيع الارض لشركة إيجل هيلز، بغرض إنشاء مشروع عقاري، دون أي إعلان عن قيمة الصفقة، تجاوز قانوني صارخ. فإعلان الدولة أنَّ مشروعًا استثماريًا أجنبيًا سيصبح العاصمة المصرية الإدارية، دون استفتاء أو وجود برلمان، سيٌجبر السيسي على الوقوف أمام البرلمان بعد انتخابه/ بل وربما أمام القضاء المصري، مدافعًا عن الصفقة أو مُتَّهمًا بشأنها. أمَّا الجانب الإماراتي، فيبدو أنًّه لم يتعلم من خطأ حسين اسميك فيما يتعلق بخوض مشروعات غير مدروسة.
أمَّا السؤال الثالث، فيتعلق بادِّعاء مصر أنَّ المشروع الذي ستطوره شركة أجنبية لن يُكلف الدولة مليمًا واحدًا، وأنَّ الشركات الخاصة ستتكفل بالتطوير العقاري. أمر يتعارض بديهيًا مع كون المشروع عاصمة إدارية لمصر. فهل سيتبرع المطور الاماراتي للدولة بجميع مباني الوزارات و المحاكم و الخدمات؟ وهل سيتبرع بمباني المستشفيات الحكومية والمدارس و الجامعات المفتوحة والمدعومة؟ وهل سيتبرع بمباني الإدارات الفرعية و الشهر العقاري و أقسام الشرطة و الإسعاف و المطافئ و البورصة و البنك المركزي؟ وأيضًا، يتضمن التصميم مطارًا صخمًا للغاية، فلماذا نحتاج إلى مطار في هذه المدينة؟ وهل سيكون خاصًا بمصر للطيران أم بطيران الإمارات؟ وهل ستتحمل مصر للطيران تكاليف الانشاء و الإدارة؟ فهل سيتبرع المطور الإماراتي بما يعادل 30% من تكلفة إنشاء المباني الإدارية في المشروع، أم هل ستضطر الدولة إلى تأجير مباني عاصمتها من شركة اجنبية؟
وفي النهاية، أتمنى أن تكون العاصمة الجديدة كبرازيليا، إن اكتمل المشروع بعد إعادة التصميم وإصلاح الأمور إداريًا. فمدينة برازيليا من المدن الحديثة والقوية اقتصاديًا إلى حد كبير، وتحتل المركز الأول في الناتج المحلي الإجمالي للفرد بين مدن امريكا اللاتينية. وعلى الرغم من أنَّها واجهت نقدًا شديدًا لحداثة تصميمها، إلا أنَّها حافظت على هوية البرازيل الثقافية والحضارية.
وإن لم يُكتّب للعاصمة الجدية أن ترى النور، أتمنى أن يطويها النسيان إلى الأبد، وأن يتركَّز الاستثمار والإنفاق على المدن الموجودة بالفعل، وأن تُفرَض مجموعة من القوانين لكل مدينة، لتتحول إلى عاصمة في نشاط مختلف، وبدلًا من نموذج العبَّار و المدن الأسمنتية غير المدروسة، يمكن أن نختار نموذج مدينة بانجلور الهندية. لأنَّ صُنَّاع القرار يجب أن يتفهموا طبيعة بلدهم، واستحالة نجاح أي نموذج خليجي فيها. وعليهم أن يتعلموا من النموذج الهندي، وهو أقرب كثيرًا إلى واقعنا.
ومدينة بانجلور هي السيليكون فالي الهندية، “مكة” المبرمجين و رواد الاعمال وشركات رأس المال المغامر venture capitals في الهند. وفي عام 1971، كان عدد سكان بانجلور أقل من 2 مليون نسمة، ويقارب عددهم الآن 10 مليون نسمة، وتُعتبر رابع أكبر مدينة اقتصادية في الهند، بإجمالي ناتج محلي يبلغ 83 مليار دولار. في احد مباني بانجلورعام 2007، أسَّس مهندس برمجة هندي يُدعى ’شاسين بانسال‘ موقع فليب كارت لبيع الاجهزة الاليكترونية على الانترنت، يُتوقَّع أن تبلغ قيمة فليب كارت في عام 2020 قرابة 100 مليار دولار، قيمة تقارب تكلفة انشاء العاصمة الجديدة.
بانجالور في اوائل التسعينات كانت مدينة بسيطة لا تختلف عن مدن مصرية كثيرة. كانت مدينة تتميز بطابع محافظ من الغالبية الهندوسية و الاقلية المسلمة فيها. تمثل العديد من المدن المصرية عبء اقتصادي على الدولة من خلال الخدمات و الدعم المقدم لهم دون المساهمة في الناتج المحلى بأي قيمة تذكر. تتوافرفي العديد من المدن البنية التحتية الاساسية التي يحتاجها رواد الاعمال لبدء اعمالهم بتكلفة منخفضة. يجب ان تشجع الدولة على خروج بعض الانشطة الاقتصادية من القاهرة الي مدن اخرى, فبدلا من انفاق المليارات على عاصمة جديدا, يمكن تخصيص ميزانية خاصة للمحافظات لتعيين شركات متخصصة لدراسة ظروف المدن و لجذب الاعمال و الصناعات اليها. لتصبح كل مدينة بانجالور مصرية و تساهم في اتساع رقعة الاقتصاد في الدولة.
فإذا كانت المشكلة أنَّ القاهرة أصبحت من وجهة نظر صُنَّاع القرار مدينة نافقة و يصعب الحياة فيها، فإنَّ الحل يبدأ من إصلاح القاهرة، وليس التخلص منها. ولن يتأتى إصلاح القاهرة إلا عن طريق استكمال خطة النظام السابق في تطوير/استطباق Gentrification أحياء المدينة، خاصة الحياء الثرية ثقافيًا وعمرانيًا. ودائمًا ما تواجه عملية التطوير تلك موجات غضب يسارية، ولكنها الحل الوحيد للحفاظ علي تراث القاهرة و تغيير الطبيعة السكانية و الأنشطة التجارية لأحيائها، تلك الأحياء التي دمَّرها التشدد الديني و الهجرة الداخلية. وتضمن عملية التطوير وجود نشاط و طبيعة سكانية و هوية لكل حي من أحياء القاهرة، وأجمل مثال لما أتحدث عنه هو ما حدث في حي ’ويليامزبيرج‘ في بروكلين، والذي كان من أحياء الجريمة في التسعينات، وأصبح أهم بقعة سياحية في نيويورك بعد عملية التطوير التي خضع لها بين عامي 2000 و2005، عملية غيَّرت الطبيعة السكانية للحي، وجعلته عاصمة مدارس عديدة للفنون و الموسيقى.
وأخيرًا، لن يُغادر المصريون قاهرة المعز، مفضِّلين عليها مدينة اسمنتية زجاجية خليجية على أرض مصرية. فالقاهرة مدينة خالدة، يستحيل التخلص منها ببناء مدينة أخرى تسرق بريقها. وإن افترضنا إمكانية حدوث ذلك، فيجب أن تكون مدينة تُصمِّمها أنامل مصرية، تحترم التراكمات الثقافية و الحضارية للمدينة، وتحترم تنوع سكانها واختلاف اهتماماتهم. وستبقى القاهرة خالدة، أمَّا التصميم الخليجي، إذا خرج إلى النور على الإطلاق، فلن يعدو أن يكون مدينة أشباح.
]]>نُشر هذا المقال لاول مرة في ٥ مارس ٢٠١٢ علي موقع مركز هدسون للدراسات. وبرغم تغير بعض التفاصيل والوجوه فاننا نعيد نشره حيث نري أن غياب الرؤية النقدية للتاريخ بشكل عام و تاريخ نظام ما قبل احداث الثلاثة أعوام السالفة بشكل خاص هو اكبر خطر علي مصر. فكما ذكرنا أدموند برك منذ أكثر من قرنين من الزمان “هؤلاء الذين لا يعرفون التاريخ عليهم لعنة تكراره” – المحرر
بقلم: صامويل تادرس
في ٢٥ يناير ٢٠١٢، خرج مئات الآلاف من المصريين إلى ميدان التحرير للاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لثورة بلادهم. فكيف سيكون الاحتفال بهذا اليوم؟ هل سيحتفل المصريون بذكرى الثورة والإنجازات التي حققتها؟ أم سيُشعلون شرارة ثورة ثانية كما كان عتاة الثوار يحلمون؟ كانت الإجابة في ذلك اليوم مزيجًا من الاثنين معًا. فقد كان لمنصة جماعة الإخوان المسلمين طابع احتفالي، ومن يلومهم على ذلك. فالثورة المصرية كانت أكثر من كريمة معهم. فمن تنظيم محظور قبلها، إلى اكتساح ٤٧% من مقاعد مجلس الشعب، وتشكيل الحكومة الجديدة قريبًا. أما على الناحية الأخرى، كان شباب الثوار مستعدون للجولة الثانية: فقد حاولوا من جديد إطلاق شرارة ثورة، تُنهي ما بدؤوه قبل عام كامل، وتُسقط حاكم البلاد، المجلس العسكري. وفي نهاية اليوم، كان الموقف مشحونًا، فالاتهامات بخيانة الثورة والشهداء تتساقط على جماعة الإخوان المسلمين. وعلى مدار الأيام القليلة التالية، تتحول الإهانات اللفظية إلى مواجهات حقيقية، تُقرر جماعة الإخوان المسلمين بعدها أن تترك الميدان لبضعة مئات من الشباب، يقيمون بالميدان بالفعل بشكل شبه كامل طيلة العام الماضي.
ويصعب أن تكون الذكرى الأولى الوقت المناسب للتفكير في تلك الأحداث الجسيمة التي فاجأت مصر والعالم، فلم يُتلى باقيها إلى الآن، ومازال ضباب الغموض يحيط بأجزاء مختلفة منها، بل ولم تُكتب آخر فصولها بعد. وعلى الرغم من تلك الضبابية، لا يزال هناك نفع في التفكير، ليس فيما حدث فحسب، بل فيما إذا كانت التقديرات الأولية للموقف آنذاك قد نجحت في اجتياز اختبارات الواقع. وكما هو واضح للمراقبين، كانت نتائجها سيئة للغاية.
تجد مصر نفسها الآن أمام لحظة من الحماس. فالآمال والأحلام التي صنعتها الثورة تبلغ عنان السماء، إلا أنها ستنهار قريبًا في مواجهة الواقع المصري. ففي الحقيقة، لم تكن “أحزان مصر” من صُنع ’حسني مبارك‘، فهو وجيله كانوا أنفسهم نتاجًا لتلك الأحزان. ويملأ الحلم الإسلامي الآفاق في مصر الآن، إلا أن مصر كانت علتها الدائمة مُدَّعي الخلاص، وباءت جميع أحلامهم بالفشل. وبمرور الوقت، سيمر ذلك الحلم أيضًا ويذهب أثره، وسيبقى إلى الأبد حقيقة واحدة، حقيقة بلد لازال يصارع فكرة الحداثة.
]]>تقدم الرجلان من مجموعة من الشباب، يجلسون وقد بدا عليهم الحماس والغضب، وتعالت أصواتهم. فتحيَّر الحكيم وسأل الحارس:
استمر الرجلان فى السير إلى أن اقتربا من شاب لا يعرض شيئًا على الإطلاق، فتقدم منه الحكيم وسأله:
ابتعد عنه الحكيم بعد أن ودَّعه بابتسامة مقتضبة وواصل السير مع الحارس. وأثناء سيرهما، لفت نظر الحكيم مجموعات من الشباب تبدو منغلقة على نفسها، فسأل الحارس:
كانت الفتيات الحسناوات مجموعة من صنوف وألوان مختلفة من الفاتنات. إلا أن الحكيم لم يتحدث إلى أي منهن، بل وقف صامتًا يراقب ما تعرضه كل منهن لفترة، ثم التفت إلى الحارس وسأله:
صمت الحكيم متفكرًا في كلام الحارس الذى فاجأه بقوله:
عاد الحكيم الكهل لصمته ثم ما لبث أن شعر بتعب مفاجىء فقال للحارس:
اسمها غابة الفيسبوك!
بعض النخب العربية تقف في حالة فزع امام ظاهرة “داعش”، لكنهم هم من صنعوا القمقم الذي يجسد نهاية منطقية للكثير مما دعوا اليه، علي الاقل ضمنيا، وزايدوا علي بعضهم البعض فيه.
نشرت نسخة مختصرة من هذه المقالة في جريدة المصري اليوم بتاريخ ٢٩/٨/٢٠١٤
]]>إن مشكلة الغارمين و الغارمات أزمة حقيقية من واقع المجتمع المصري يجب علينا مواجهتها بحسم. إنه لشئ رائع أن تقوم مؤسسات المجتمع المدني و الجيش و أهل مصر الطيبين بسداد ديون الغارمات لكن الأجمل لو عملنا على توعية و تثقيف المواطن بالإبتعاد عن الأعراف المجحفة و شرعنا في سن قوانين تكفل الإقتراض العادل لتنظيم العلاقة بين التاجر و المقترض. الأفضل دائما أن نجتث المشكلة من جذورها لا أن نتعامل مع تابعاتها و للحديث بقية…
تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان
مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان
دراسة ميدانية فعلية أجراها الكاتب مع فريق العمل من واقع ديون مجموعة من السيدات في القاهرة الكبرى. الكاتب مؤسس مبادرة “علشان الخير يعم” بالجيزة؛ و التي تعنى بتطوير المجتمع عن طريق توفير الخدمات الصحية، مساعدة الغارمات و توفير فرص التدريب و العمل
Gabor, David. Retail Banking in Egypt: an oasis for growth, away from the storm.
ياتي الموت مره واحده للإنسان، ولكن الممثلون العظام يعيشونه عشرات المرات. الأزمة القلبية التي أوشكت على القضاء على حياته في ١٩٦٨ لم تبطئه بل دفعته للفعل. أعقبتها اعظم سنتين في حياته، وأكثرهم ترحالا. لم يمت البطل العربي العظيم حتي اقتضى دوره ذلك. مات عبد الناصر فقط عندما أنفجر العالم العربي في احداث عنف أيلول الأسود. تقاتل “الإخوة” العرب في الأردن على مقربة من الحدود مع عدوهم المشترك. بعدها بساعات أسدل الستار على عبد الناصر – الرجل. ولكن دوره مازال باقياً منتظراً ممثلا أخر ليحمل المشعل.
]]>ناس سألوني ليه حورس ترك فرعون مصر الرئيس مبارك يترك الحكم ويسجن ؟؟ ردي عليهم : ” وما خلعوه وما سجنوه ولكن شبه لهم ” !! – سامح أبو عرايس
قد يكون سامح أبو عرايس من أشهر الشخصيات المصرية على فيسبوك. سيرته الذاتيه المعروضة على صفحته تدعو للإعجاب:” رئيس الجمعية العربية للمحللين الفنيين وخبير البورصة والعملات”. بعض المعارف ممن قابلوه أو على معرفه بعمله رأوا أنه محلل فني ناجح بالفعل. ولكن لم يكن هذا هو السبب الذي دفع حوالي ٥٠ ألف شخص (وكاتب هذه المقاله منهم) لمتابعة صفحته على الفيسبوك بشغف. في الحقيقة لا يتكلم سامح عن مجال عمله كثيرا على صفحته الشخصية. معظم طاقاته موجهه لكشف تفاصيل مؤامرة معقده دبرتها أجهزة المخابرات الدولية تحت أشراف الماسونية الدولية وبايعاز من الإله ست وبالتعاون مع شركات متعددة الجنسيات ووكالات اعلانتهم. هدف المؤامرة غير واضح: في البداية كان الهدف هو الانقلاب على الرئيس السابق حسني مبارك (يعتقد سامح أن مبارك فرعون كما هو واضح في الإقتباس أعلاه)، ولكن مؤخرا أخذت المؤامرة أبعاد كونية في سبيل منع مصر من الحصول على شفرة الإله حورس التي ستمكنها من الاتصال به لتكوين امبراطورية عظمي تحتل مكان أمريكا وأوروبا اللذان سيخسران مكانتهما بعد فقدان الشفرة.
إن بدا لك ما تقدم مثل حبكة رواية شيقة على شاكلة روايات دان براون فستتفهم سبب أعجابي (الحقيقي) بسامح. فالرجل بالتأكيد لديه موهبة أدبية عظيمة. القليل فقط من الكتاب يستطيع إنتاج حبكات درامية شيقة بتلك الغزارة (ينشر سامح تحديثات لصفحته بمعدل ٣-٤ مرات في اليوم). الأهم من ذلك هو قدرته على التكيف مع الأحداث في العالم الحقيقي ونسجها داخل هذا العالم الثري الذي ابتكره حتي وان تعارضت مع أحداث أو تفسيرات سابقة قد يكون عرضها (على سبيل المثال: تأثر سامح بشكل كبير باحداث رابعة العدوية العام الماضي مما دفعه لاعتبار أن السيسي لابد أن يكون من أجنحة المؤامرة الماسونية، حيث أن حسني مبارك – وهو المقياس الأوحد للخير في عالم سامح – ما كان ليُقدم على تلك الفعلة؛ لاحقا أقتنع سامح أن السيسي في الحقيقة في معسكر الإله حورس وان أفعاله في البدء كان هدفها تضليل الماسونيين بايهامه أنه منهم).
ولكن تحت غطاء تلك الموهبة التي قد تبدو للبعض نتاج حالة نفسية معينة فإنتاج سامح – كإنتاج اي فنان موهوب – يكشف لنا شخصية المجتمع الذي يعيش فيه والطباع الفكرية التي تحكمه. أو كما قال شكسبير على لسان أحد شخصياته في مسرحيته الأشهر، هاملت “وحتي إن كان هذا جنون ،فلهُ منهجه”
“منهج” أبو عرايس هو نتاج الصدام العنيف بين فكرتين سيطرت إحداهم على العقل المصري لمدة طويلة (لربما منذ أخذ الناس صراع ازوريس و ست بجدية لاخر مرة)، أما الأخري فقد وردت علي مجتمعنا في أخر ١٠٠-٢٠٠ سنة وإن لم تتمكن منه فان نسخاً مشوهة منها نجحت في ذلك.
الفكرة الأقدم هي أولوية التفسيرات الغيبية على التفسيرات المادية. بالنسبة للمؤمنين بهذه الفكرة فتقدم الأمم والأفراد لا يمكن أن يكون بسبب اجتهادهم أو علمهم أو مبادئهم ولكنه نتيجة لاتصال بقوي خارجة عن ادراكنا الطبيعي تمكنهم من تحقيق ما فشلنا نحن كأفراد في الوصول إليه. أو كما شرح أبو عرايس في أحد تعليقاته:
السر في النهضة الصناعية والتكنولوجية الهائلة التي حدثت في الغرب في اخر 200 سنة هي علوم وشفرات السحر التي سرقتها الحملة الفرنسية من مصر بقيادة نابليون بعد الثورة الفرنسية الماسونية . وتم فك طلاسم المعابد الفرعونية السحرية والتي مكنتهم من التواصل مع لوسيفر والهة الفراعنة القدماء . وبذلك انتقل مركز الحضارة الحديثة الى الغرب حيث عائلة روتشيلد التي مولت أول ثورتين ماسونيتين في فرنسا وبريطانيا . وبينما أقنعنا شامبليون بأن ما على المعابد الفرعونية والبرديات هي مجرد لغة مكتوبة أخفى السر الحقيقي وهو أنها شفرات سحرية لطقوس لتسخير قوى ما وراء الطبيعة ساعدت المصريين القدماء على أن يبنوا حضارة كبيرة . وبانتقال هذه الأسرار الى الغرب وتحت سيطرة اليهود وأحفاد فرسان الهيكل ” البناؤون الأحرار أو الماسونيون ” انتقل مركز الحضارة الى الغرب وتحققت الطفرة التكنولوجية التي نراها الان
جاذبية تلك الفكرة واضحة. فالعالم مكان معقد للغاية والتاريخ الانساني تاريخ طويل مليئ بالتفاصيل التي يصعب على أي إنسان واحد إدراكها وفي ظل الفجوة العميقة بين الغرب وبيننا فمن الأسهل عدم تضييع الوقت في فهم أسباب تلك الفجوة و إحالة أسبابها لعالم الغيب (وان أضاف أبو عرايس نكهة نرجيسيه لهذا التفسير بزعم أن حتي وان كانت قوي غيبية هي السبب في تقدم الغرب، فان تلك القوي الغيبية هي قوي غيبية مصرية اصلاً).
من السهل الدفع بأن أبو عرايس وأمثاله هم فقط من يؤمنوا بتلك الفكرة. ولكن في الحقيقة لو غيرنا بعض التفاصيل فسنجد أن هذه الفكرة في جوهرها هي التي ألهمت الإسلام السياسي. فالفكرة الحاكمة لمشروع الإسلام السياسي هي أنه في حال ألتزم المسلمون (وغيرهم ممن أسعدهم ألحظ بالعيش في ديار المسلمين) بتعاليم الإسلام فان الخلافة أتية لا ريب، أستاذية العالم أتية لا ريب، والتقدم والازدهار اتيان لا ريب. التفاصيل التي تصل بين المقدمات والنتائج غالبا غير واضحة. فالاعتقاد هو أن الالتزام بالتعاليم الروحية سينعكس على الحياة المادية بطريقة أو باخري. وفي الحقيقة فبدون هذه العلاقة الخفية فإن الإسلام السياسي لا يختلف عن أي ايدولوجية سياسية أخري. ولو أردنا الإنصاف فنفس الانفصال بين الأسباب والنتائج يميز غلاة القوميون الذين يعتقدون ان التقدم والازدهار في الإمكان إن خلصت النوايا ونُقت الصفوف من كل دخيل. إثارة اي نقاش عن غياب الدراسات والفكر المتأني والقوانين المشجعة والضامنة لهذا الازدهار والنجاح هو تثبيط للهمم وتشكيك في النجاح القادم لا محالة.
الفكرة الثانية وهي فكرة الحداثة نفسها: يوجد تفسير لكل شيء. في مظهرها وفي معظم تطبيقاتها هي فكرة عظيمة. إيمان قطاع كبير من البشرية بالعلم أدي إلى تقدم غير مسبوق في كل مناحي الحياة لا داعي لتعديد مظاهره. نجاح هذه الفكرة العلميه أدي بالكثير من المتحمسين لمحاولة تطبيقها على كل شيء بدون إتباع الطريقة العلمية التي تستلزم تصميم التجارب وقياس النتائج، ثم العرض على المجتمع العلمي للنقاش والنقد. في غياب تلك الطريقة العلمية فإن محاولة إيجاد تفسير لكل شيء تنحدر سريعا إلى مانطلق عليه مجازا نظرية المؤامرة. فالمؤمن بنظرية المؤامرة هو في أغلب الأحيان شخص عنده فضول وعلى قدر من الذكاء يجعله يري علاقات بين أشياء لا علاقة بينها، ولكنه أيضا على قدر من الغرور تجعله مؤمن تماما أن تلك العلاقة التي رآها هو فقط هي الحقيقة ولا حقيقة سواها.
باع أبو عرايس في هذا المجال طويل فأي حدث، كوقوع انفجار ارهابي مثلا، يدفعه لمحاولة استنباط الإشارات الباطنية لهذا الحدث، وغالبا ما يجد ضالته في إعلانات التليفزيون. فذكر كلمة “الشريحة” في إعلان هو أشارة لشفرة الإله حورس، واسم منتج “بومب” هو أشارة للقنبلة التي ستنفجر قريبا. وهي كلها – بالطبع – تفسيرات تحتمل الصحة. ولكن من الممكن أيضا أن يكون الشخص الجالس بجواري في العمل عميل دسته أحدي الحضارات الفضائية التي تسعي إلى احتلال كوكب الأرض حيث أن الشمس تغرب بعد أن يترك المكتب دائما (ومن الغريب أنه يترك المكتب الساعة ٥ كل يوم!). في غياب أدلة منطقية على تلك العلاقات (بين الإعلانات والانفجارات، وبين زميلي في العمل والقوي المريخية) يترك معظم الناس تلك التفسيرات، ولكن هؤلاء الذين يتملكهم ذلك الإيمان المطلق بان هنالك سبب، واضح، وصريح لكل شيء يصدقونها. يجد هؤلاء، وهم كثيرون، صعوبة جمة في تصديق أن الأحداث الكبيرة بالذات لا يمكن أن تكون لها تفسيرات واضحة. فالثورة مؤامرة من دولتين أو ثلاث وبضع أشخاص، وانقطاع النور في طول البلاد وعرضها هو بسبب شخص يغلق سكينة الكهرباء أو مجموعة تفجر محولات الكهرباء. في كل تلك الحالات هم يرفضون التفسيرات الصعبة أو المعقدة (أن هناك أزمة اقتصادية هي السبب في عدم صيانة المحطات و ندرة الوقود اللازم لها، أو أن هناك عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية كثيرة أدت إلى قيام تلك الثورة).
قد ينتبه القارئ الفطن الآن إلى التعارض بين تلك الفكرتين. فالإيمان بالتفسيرات الغيبية يتعارض – ظاهريا – مع الإيمان بوجود تفسير لكل شيء. ولكن شخصيات مثل أبو العرايس تجسد كيف نجحت مجموعة كبيرة من مجتمعاتنا في المزج بين الفكرتين بأن أخذوا من الفكرة العلمية قشورها فآمنوا بوجود أسباب لكل شيء بدون السعي لدراسة تلك الأسباب واكتفوا بنسبة تلك الأسباب لقوي غيبية ليس لهم عليها من سلطان، وبالتالي فلا مسئولية لهم عن أفعالها. وإن فاجئك أن فكرتين متعارضتين يمكن الجمع بينهما في شخص واحد، فتذكر أن أوزوريس وست كانوا في الأصل أخوة من ام واحدة
]]>المصدر: عرض هيئة قناة السويس للاجتماع الدولي لمنظمة BIMCO عام ٢٠١٣
نأتي الان للنقطة الرئيسية في المشروع والذي طبقاً لتصريحات مختلفة من المتوقع أن يرفع دخل القناه من ٥ مليار دولار أمريكي إلى ١٣ مليار دولار أي زيادة ١٦٠٪. وجهة نظر المدافعين عن المشروع هي ان بإزدواج القناه ترتفع طاقتها مما يعني المزيد من السفن العابرة و بالتالي المزيد من الدخل.
ولكن للاسف فان وجهة النظر هذه لا تتسق مع الواقع إذ إن السعه المرورية لقناة السويس طبقا لنظام المرور الحالي هى ٧٨ سفينة يومياً يمكن زيادتها إلى ٩٨ سفينة من خلال تعديل نظام المرور و إستخدام كافة التفريعات الحالية – كل هذه الأرقام هي من بيانات هيئة قناة السويس (صفحة ١٥ من العرض أعلاه). أيضاً من بيانات الهيئة ، أن أعلى متوسط يومي للسفن في العقد الأخير كان في ٢٠٠٨ وهو ٥٨.٥ سفينة يومياً أي ٧٥٪ من الطاقة المرورية للقناه الحالية و٥٩.٦٪ من الطاقة القصوى بدون استثمارات جديدة مما يجعل تصور أن إزدواج القناه سيزيد حجم المرور ١٦٠٪ هو تصور غير منطقي و غير مستند علي الواقع.
أن الاتجاه العام في مجال الشحن البحري هو إستخدم سفن أكبر حجماً ولذلك فمن الضروري أن تستعد القناه لهذا الاتجاه. فبالنظر إلى إحصائيات هيئة القناه، نرى أن أعلى عدد سفن مرت من القناة تحقق في ١٩٨٢ و هو ٢٢٥٤٥ بمتوسط يومي ٦١.٨ و هو رقم بعيد عن الطاقة القصوى للقناة وكما أشرنا فإن أقصى عدد سفن في الماضي القريب تحقق في عام ٢٠٠٨ (٢١٤١٥ سفينة) الذي شهد نمو الاقتصاد العالمي بشكل كبير قبل الانهيار الاقتصادي في نهاية العام . منذ ٢٠٠٨ ، فإن عدد السفن في تناقص مستمر حتى وصل إلى ١٦٥٩٦ في ٢٠١٣ بمتوسط يومي ٤٥.٥. في نفس الفترة ، زاد المتوسط اليومي للحمولات العابرة من ٢٤٨٦ ألف طن إلى ٢٥٠٨ ألف طن في ٢٠١٣ مما يؤكد بالفعل الاتجاه العام لاعتماد اساطيل الشحن البحري أكثر فاكثر على سفن أقل و لكن أكبر حجماً. بديهياً الاستعداد لهذا يكون بزيادة عمق المجرى الملاحي و هو الأمر الذي سبق أن أشرنا إلى عدم حدوثه حيث أنه لا توجد أي تصريحات تشير إلى زيادة عمق القناه عن العمق الحالي (٧٤ قدم قادرة على إستقبال سفن بغاطس حتى ٦٦ قدم). وبغض النظر فلا يمكن تصور أن يزيد دخل القناه ١٦٠٪ في ثلاث سنوات حيث أنه طبقاً لبيانات الهيئة الحالية فأن القناه بوضعها الحالي قادرة عل خدمة٦٢.٦٪ من ناقلات البترول ، ٩٦.٨٪ من أسطول سفن الصب و١٠٠٪ من باقي أنواع السفن و بالتالي فإن أكبر زيادة يمكن تصورها بسبب زيادة الغاطس لا تزيد عن ٢٠٪ بافتراض أن حوالي نصف السفن المارة بقناة السويس هي ناقلات بترول علماً أن خط سوميد يمكن السفن العملاقة من تفريغ أو تخفيف حمولتها في السويس لكي تتمكن من عبور القناة ثم إستلام الحمولة مرة أخرى من ساحل المتوسط لإستكمال رحلتها .
نهايةً يجب توضيح أن الهدف من طرح هذه الأفكار ليس تثبيط الهمم كما سيسارع بعض مؤيدي النظام بالقول ولكنها دعوة للنقاش – قد تكون هناك أسباب جيدة للمشروع و قد تكون هناك نقاط وجيهة غائبة عن كاتب هذه التساؤلات و لكن يبقى التساؤل الأكبر: لم التعجل في بدء مشروع مكلف بدون مناقشته بشكل يستوفي كافة الأوجه ؟ و هل من الأفضل لمصر و هي تمر بأزمة إقتصادية طاحنة و تعاني من إرتفاع شديد في عجز الموازنه أن تزيد من هذا العجز من خلال إستثمار ٦٠ مليار جنيه لم تكن مدرجة بالموازنة في مشروع جدواه الاقتصادية محل شك؟
]]>إنك لا تستطيع أن تصل إلي أي نتيجة إن لم يعمل أحد على تحقيقها. الديموقراطية الليبرالية لن تخلق من عدم. لابد لها أن يوجد ديموقراطيين ليبراليين
صحيح أن بعضهم لازال يؤمن بان الثورة مستمرة أو – وهو الإدعاء الأكثر غرابة – أن الإطاحة بمحمد مرسي ماهي إلا الموجة الثانية من الثورة الأصلية. أحد هؤلاء الموهمين هو وزير خارجية أمريكا، جون كيري، الذي صرح أن الأخوان المسلمين قد “سرقوا” الثورة وان مصر على مايبدو في طريقها للديموقراطية. وبغض النظر عن تلك الآراء، وما إن كانت مصر تشهد ثورة مضاده (كما يري كاتب هذة المقالة)، أوأنها قد شهدت انقلاباٌ، أو أن لا ثورة قامت في الأساس كما طرح هيو روبرتس على صفحات London Review of Books، فإن الأتفاق العام هو على أن مصر قد عادت إلى قبضة استبدادية، وإن كانت هذه المرة وسط تهليل الجموع. فمهما كان ما حدث في ٢٥ يناير فقد فشل تماما في تحويل مصر في إتجاه ديموقراطية حقيقية.
بالنسبة للمتباكين على فشل الثورة التي أسرت العالم فإن اللوم كله يقع على قوة من إثنين: المؤسسة العسكرية المصرية، أو الإخوان المسلمين. سيطرت نظرية المؤسسة العسكرية التي لم تقبل أبدا بمبدأ سيطرة المدنيين وحاولت إحكام سيطرتها على الدولة وإقتصادها، والإخوان الذين حكموا بطريقة إقصائية أفقدتهم تعاطف الشعب، على آراء المحللين لسبب وصول مصر إلى ما آلت إليه اليوم.
المثير للعجب هو قلة التركيز على أفعال وإختيارات الثوار غير الاسلاميين. فبجانب الانتقادات المعتادة لضعفهم التنظيمي، أو النقد الموجه مؤخرا لبعضهم ممن ساند الانقلاب العسكري، لم يوجه لهم أي نقد حقيقي، وبالتالي فلم يوجه لهم أي لوم. مايجعل ذلك أكثر غرابة هو أنه منذ ثلاثة أعوام كان الإعلام والمحلليين الغربيين لا يكادوا يروا أي مجموعات اخري بخلاف هؤلاء الشباب والشابات اللذين وصفهوهم بالليبراليين، الديمقراطيين، الوسطيين، و العلمانيين. احُتفي بالثوار المصريين على أنهم الأبطال اللذين نجحوا أخيرا في كسر الثنائية الأبدية بين الأنظمة الاستبدادية والشمولية الإسلامية. كان الظن أن أناساٌ مثل وائل غنيم، المدير التنفيذي في جوجل، وأحمد ماهر، مؤسس حركة ٦ أبريل، والدبلوماسي الدولي محمد البرادعي سيؤسسوا للطريق الثالث المنتظر.
في ٢٥ يناير ٢٠١١ خرج المصريون للمطالبة بالتغيير. بعض المتظاهرين كانوا من قدامي المتظاهرين ضد حكم حسني مبارك، بينما كان البعض الأخر يتظاهر لأول مرة. بعدها بثلاث أيام إشترك معهم مئات الآلاف في الميادين، وبعد ١٥ يوم استقال مبارك كرئيس لمصر. من كانوا هؤلاء الثوار ومن أين أتوا؟ ماهي تركيبتهم الأيديولوجية والتنظيمية؟ لماذا كانوا على خلاف مع نظام مبارك، ولماذا أرادوا إسقاطه؟ ماذا كانت آمالهم وتطلعاتهم لمستقبل مصر؟ وكيف سعوا لتحقيقها؟ لفهم قصة الثورة في مصر، يجب علينا أن نبدأ قبل ٢٥ يناير ٢٠١١ بسنوات عندما بدأ هؤلاء الثوار في معرفة بعضهم البعض وتعلم الأدوات التي استعملوها فيمابعد لإسقاط النظام.
غياب البحث المفصل في أمر ثوار مصر أدي إلى فجوة حقيقية في فهمنا للأحداث التي توالت في الثلاث أعوام الأخيرة. في كل الأحداث – بدءا من قرارهم الدعوة إلى مظاهرات ٢٥ يناير ٢٠١١، ثم رفضهم المشاركة في العملية السياسية، لمطالبتهم بإنهاء حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، مرورا بالمظاهرات المستمرة والمواجهات مع الشرطة وحتي اختياراتهم في الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية – لم يكن الثوار ضحايا لا حول لهم، ولكنهم كانوا ممثلون فاعلون أثروا علي إتجاه البلاد وشكلوه. من المهم فهم الدور الذي لعبه الثوار في دفع مصر في طريقها المدمر نحو الهاوية.
في خلال الأعوام الثلاث الأخيرة وفي خضم الاضطربات التي هزت كيان مصر كنت في نقاش لا ينتهي مع مجموعة من الليبراليين المصريين الذين أحبوا بلدهم بعمق. لم يكن لهذا المقال أن يخرج بهذا الشكل بدون آرائهم وتعليقاتهم طوال تلك المدة. سأظل أبد الدهر مدينا لهم.
هذه المقالة هي ترجمة لجزء مقتبس من كتاب صامويل تادروس الأخير “تأملات في الثورة في مصر” – “Reflections on the Revolution in Egypt“، الصادر عن Hoover Institute Press.
]]>