ظهرت المقالة النظرة الإيجابية للحياة و المفتاح السحري للنجاح أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>من القرآن الكريم نتعلّم
في آيات كريمة، يشجب القرآن الكريم فئات واشخاص في الاجتماع بسبب سلوكهم وطريقة تفكيرهم، واحياناً يكون الشجب والاستنكار مصحوباً بالتهديد والوعيد بالعقاب الأليم يوم القيامة، او التنبيه بالخسران المبين، ولكن! الى جانب هذا الخطاب نقرأ في كثير من الأحيان آيات فيها استدراك واستمهال على أمل التغيير والإصلاح، فالحالة الأولى سلبية، وتعبير حقيقي عن واقع سلبي خاطئ لا مجاملة فيه، وفي الحالة الثانية (اللاحقة) نجد الخطاب الإيجابي. لنقرأ الآيات الكريمة من سورة الشعراء التي تتحدث عن صفات هذه الشريحة الاجتماعية المؤثرة، و دقّة التعبير القرآني السلبي لواقعهم: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ}، هل انتهى الخطاب الإلهي عند هذا الاطار؟ وهل يعني أن الشعراء محكوم عليهم بالغواية والتضليل على طول الخط؟! الآية اللاحقة تجيب بالنفي، عندما تحدد استثناءً: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}، ولا اشكّ أن هذه الآية الكريمة كانت من عوامل شدّ قلوب الشعراء العرب منذ نزول هذه الآية في بمكة المكرمة، حيث كان رسول الله في بدايات نشر رسالة التوحيد وسط المجتمع المشرك، ثم كانت سبباً لتمهيد الطريق لتغيير مواقف عديد من شعراء الجاهلية مثل كعب بن زهير الذي ربما كانت قصيدته الذائعة الصيت؛ “قصيدة البردة”، التي ارتجلها بحضرة النبي الأكرم، نتاج تأثّره بهذه الآية القرآنية تحديداً، فحولته من شاعر في خندق المحاربين لرسول الله، ومن مهدور الدمّ بسبب هجائه وسخرياته، الى شاعر محبوب ومغفور من قبل رسول الله لدرجة ان يهديه البردة التي كانت عليه، صلى الله عليه وآله، وتكون قصيدته من عيون الشعر العربي.
طبعاً؛ الأمثلة لا تُعد في الكتاب المجيد، وأبرزها؛ سورة العصر التي نتلوها دائماً في صلوتنا، وهي من السور القصار، عندما يُقسم ربّ العزّة والجلالة بأن {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، فاذا توقفنا عند هذه الآية هل يبقى للانسان من أمل في الحياة؟! بيد أن الآية التالية تفتح لنا نافذة كبيرة بأن {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
التدبّر في هذه الآيات الكريمة تعطينا بصائر رائعة تؤكد أن الحالة الإيجابية حركة ومبادرة لتغيير الواقع الفاسد، او ربما للحؤول دون وقوع الفساد والخطأ، أكثر مما هو كلام يُقال، بينما الحالة السلبية المرضية مدعاة للكسل والتخلف والخسران في الحياة، ولا تنفع معها مبررات “الحديث الواقعي”، او مصطلحات من هذا القبيل لأن الواقع من صنع الانسان على طول الخط.
التدبّر في القرآن الكريم يعطينا بصائر رائعة تؤكد أن الحالة الإيجابية حركة ومبادرة لتغيير الواقع الفاسد أكثر مما هو كلام يُقال، بينما الحالة السلبية المرضية مدعاة للكسل والتخلف والخسران في الحياة
أين المفتاح؟
من حق كل واحد منّا المطالبة بالتغيير وحل المشاكل والأزمات المحيطة بنا؛ من التلميذ الصغير في المدرسة، مروراً بالمعلم والمدرس، والمريض في المستشفى، والموظف في الدائرة، والفلاح، والعامل، والمرأة، وكل فرد في المجتمع، إنما الأمر يحتاج لوقفة تأمّل في أسباب وخلفيات هذا الواقع السيئ، وكيف نشأ بالأساس؟ وهل جاء صدفة دون تدخل منّا؟!
أثبتت تجارب الشعوب والأمم أن التي امتلكت مفتاح النجاح هي التي اهتدت الى الحالة الإيجابية في تفكيرها وفي سلوك افرادها، وقد اهتدى الى هذه الحقيقة علماء الطب، عندما وجدوا الدور العجيب للتفاؤل والأمل في سرعة الشفاء من أمراض مستعصية. وهذا يدفعنا لأن نكون من جملة الباحثين في مسيرة الحياة الطويلة –العريضة، وثمة طرق –من جملة طرق عديدة- أرى أنها تؤدي الى هذا المفتاح:
1- صناعة الطاقة الإيجابية
كتب وبحث العديد من علماء النفس في السنوات الماضية في أمر “الطاقة الإيجابية”، حتى بات لدينا تخصص فرعي جديد بعنوان علم النفس الإيجابي، الهدف منه استثمار الفرص المتاحة والقدرات الموجودة لإيجاد البديل الأفضل، ومعالجة حالات الفشل والهزيمة النفسية على صعيد الفرد، وعلى صعيد الاجتماع بأكمله.
وبنظرة خاطفة على ما حولنا نجد أننا محاطون بعناصر عديدة بإمكانها ان تكون لبنات لانتاج الطاقة الإيجابية اللازمة، ولا أدلّ و أقرب من الصحة والسلامة، ومرحلة الشباب، والأمان، والحرية، مع وجود كل هذه العناصر من الغريب جداً أن نجد شخصاً له طاقة سلبية، وربما هذا يكون في المعيار الديني نوعاً من الكفر بأنعم الله –تعالى- فكل ما ذكرناه وغيره كثير تعد من عوامل الخير في حياتنا وليس الشر، إنما يحتاج الأمر الى رؤية أبعد من المربع الذي نقف عليه لنجد آفاق الحياة وفرص النجاح فيها، حتى وإن كنّا في أحلك الظروف مثل؛ عدم وجود التعيين الحكومي للخريجين، او عدم الحصول على السكن اللائق، أو التعرض لسوء التعامل من الآخرين.
2- عدم التسرّع في الأحكام
نحن نشكو من هذه الحالة بسبب الاحتكام غير المسبوق الى الانترنت وما يطرحه من معلومات وأفكار بالجملة على مدار الساعة والثواني، فهذا الخبر عن هذا، وتلك الفضيحة عن ذاك، وهذه القضية عن هذه الجماعة أو تلك، ثم جاء “اللاذكاء الاصطناعي” ليكبّ المزيد من الزيت على نار الفتنة بين أبناء البلد الواحد والقبلة والكتاب الواحد، من خلال نشر مقاطع او صور يخيّل الى أنها حقيقية لشخص أو قضية ما للترويج لأمر معين بشكل كاذب وظالم.
بنظرة خاطفة على ما حولنا نجد أننا محاطون بعناصر عديدة بإمكانها ان تكون لبنات لانتاج الطاقة الإيجابية اللازمة، ولا أدلّ و أقرب من الصحة والسلامة، ومرحلة الشباب، والأمان، والحرية
ولطالما حذرنا القرآن الكريم، وايضاً؛ ما جاء على لسان المعصومين، عليهم السلام، من مغبة الانزلاق في متاهات التهمة والغيبة والبهتان بسبب كثرة المعلومات عن قضايا مختلفة، يختلط فيها الحق بالباطل، والصدق بالكذب، فتكون صورة مشوهة عن شخص او جهة ما، ربما يستهويها البعض، لكنها بالحقيقة تمثل بداية لتسميم القلب والنفس فيتكون لدينا التفكير السلبي الى درجة أن ينزلق البعض الى التبرؤ من الدين والمذهب والعقيدة، وحتى الأخلاق وعموم القيم الإيجابية بدعوى أن لا فائدة منها، او أنها باتت مطيّة لمصالح حزبية أو شخصية وما الى ذلك من التبريرات لإشاعة مثل هذا التفكير المريض.
والبداية دائماً تكون بإطلاق العنان للعين لرؤية كل شيء، وللأذن لتلقي كل شيء لتكوين قناعة معينة إزاء ما يجري من احداث في الساحة الاجتماعية والدينية.
3- التنافس على البرّ والتقوى
وهذه ايضاً حالة عملية تبعث على النشاط بحوافز مادية ملموسة ومشروعة، وفي المنظومة الثقافية الدينية لدينا تأكيدات وافرة على ضرورة التنافس والمسارعة في عمل الخير والبرّ في الميادين كافة، ما من شأنه خلق أجواء إيجابية تبعث على الارتياح في الأوساط الاجتماعية، ولا أقرب من مثال السلّات الغذائية التي توزع على العوائل المتعففة في شهر رمضان المبارك، وفي أوقات أخرى، الى جانب المساعدات العينية والمالية لتغطية تكاليف معيشة العوائل الفقيرة والايتام، كل هذه وغيرها من شأنها التخفيف من وطأة الحالة السلبية الناجمة عن الفشل الحكومي والقصور المريع في رعاية هذه الشريحة الفقيرة والضعيفة في المجتمع، بل وتُحيي الأمل في النفوس بأن الحياة لن تكون سوداوية بالكامل، وأن ثمة بصيص أمل بالانفراج لطالب المدرسة وللمريض في المستشفى وما الى غيره من الحالات الحرجة.
وفي القرآن الكريم، في سورة آل عمران إرشاد رائع الى جائزة كبرى لمن ينفق ومن يحسن قوله وفعله وسلوكه، وأخلاقه بشكل عام، لنقرأ معاً هذه الآية الكريمة: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، فالدعوة الى المسارعة نحو نيل رضى الرحمن ومغفرته، يعني ان نكون مسرعين لتوفير وسائل الوصول الى هذه المرتبة، والمتمثلة بالانفاق وكظم الغيظ والعفو والإحسان، وكل هذه المبادرات تتعلق بالعلاقات الاجتماعية التي يدعونا القرآن الكريم ان تكون إيجابية على طول الخط حتى ننعم بحياة إيجابية جميلة.
ظهرت المقالة النظرة الإيجابية للحياة و المفتاح السحري للنجاح أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ظهرت المقالة الجدال الأحسن و طريق الوصول الى الحقيقة أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>كافح الانسان منذ قرون بعيدة، وبذل جهوداً ذهنية عظيمة على أمل الوصول الى حقيقة وجوده في الحياة، وحقيقة الحياة نفسها، فمن أين؟ والى أين؟ فكان للتأمل والتفكّر دوره المحوري في هذا المسعى، وقد اشترك في الامر من يحمل قدرات ذاتية مثل الفلاسفة، ومن يحمل قدرات معنوية موهوبة من السماء، وهم؛ الانبياء والمرسلين والأولياء الصالحين، ويقف في طليعتهم جميعاً؛ أبو التوحيد، كما يسميه المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، وهو؛ نبي الله ابراهيم، عليه السلام، عندما وقف تلك الوقفة التاريخية الخالدة أمام النجوم تارةً، وأمام القمر تارة اخرى، ثم توقف عند الشمس على أنها “أكبر”، ليبين لقومه من الذي يجب ان يكون الخالق والجبار في الحياة والوجود؟ ثم وصل الى ما وصل اليه من الحقائق في مشهد يرويه لنا القرآن الكريم في سورة الأنعام.
ومن اصحاب القدرات الذاتية؛ من رواد المعرفة في التاريخ البشري، توصل احد فلاسفة اليونان القديمة في القرن السادس قبل الميلاد، وهو هيرقليطس، أن التبدّل هو كنه الاشياء وحقيقتها، مستنداً الى مشاهداته في الطبيعة وفي حياة الانسان، من تبدّل الليل والنهار، والخصب والجفاف، والصِغر والكِبر ثم الهَرم، والحياة ثم الموت، وحالة الطبيعية وما فيها من نبات وحيوان وكيف يحكمها قانون التبدل والتحول باستمرار، وعدّ هذا التناقض في الاشياء من حالة الى اخرى دليلاً على نظريته التي تبلورت فيما بعد بجواز الجمع بين النقيضين، و أن الشيء موجود، وفي نفس الوقت غير موجود! فالوجود اساساً –عنده- هو غير موجود، وانما هنالك التبدل المستمر.
وقد رصد الدكتور عبد الكريم اليافي في حديثه عن معنى الجدلية في كتابه “جدلية أبي تمام”، خطوات هيرقليطس نحو صياغة نظريته المعرفية هذه، بانه يقول: “ان الحياة والموت، والنوم واليقظة، والشباب والشيخوخة، كل هذه المتناقضات ليست سوى مراحل في حركة مستمرة، وان كل واحد من النقيضين محتاج لوجود الآخر، ولازم لادراك معناه، فلولا المرض ما عرفنا لذة الصحة، ولولا الشر، ما ادركنا قيمة الخير، فالكون قائمٌ على وحدة الضدين وارتباط النقيضين وتلازم الخصمين”.
جيل الشباب الطامح للوصول الى الحقيقة يتشبث بأسلوب الجدل للتخلص من وطأة التناقض الحاصل بين النظرية والتطبيق في النظام الإسلامي
وربما لم يكن هيرقليطس يتصور أن نظريته في اجتماع النقيضين على اساس حركة التبدل المستمر، تتحول الى قاعدة لنمط من الحوار والنقاش يستمد روحه من ثنائية الوجود وعدم الوجود، ليأتي من بعده، من يؤسس لفكرة الحوار الجدلي – إن صحت العبارة- بناءً على لفظ “ديالوغس” اليونانية والتي تعني الحوار بين اثنين، ولتتحول فيما بعد على يد الفلاسفة المتأخرين، الى “ديكالكتيك”، ثم ليكون مذهباً فكرياً لدولة مترامية الأطراف مثل ما كان يسمى سابقاً “الاتحاد السوفيتي” التي دعت الانسان والعالم طوال سبعين عاماً، الى حالة من الصراع المستدام بين الطبقات الاجتماعية وبين الانسان وأخيه الانسان.
في مقابل هذا المآل السيئ للحوار المتقابل، ظهر عالم دين اواسط القرن العشرين، ليكون ضمن السلسلة الطويلة الممتدة الى صدر الرسالة الاسلامية، يدعو الى “الجدل الأحسن” مع الآخر، والاستفادة من هذا النمط من الحوار للبناء والتغيير والإصلاح لما يفيد الانسان والاجيال والحضارة، ولا يلحق الأذى بأحد؛ مادياً ومعنوياً، لذا نجد الامام والمرجع الديني السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- في كتابه: “الجدال بالتي هي أحسن”، يتحدث عن المناقشة كونها احد أدوات الجدال، وأنها “فنٌ جميل، ينبغي لكل مسلم تعلّمها وتعليمها، فإنّ لها منافع جمّة يستطيع بها الإنسان من الوصول إلى مراده بأقل عناء وتعب، فالشخص الذي يجيد أسلوب المناقشة يصبح من السهولة عليه أن يقنع الآخرين ويجرهم إلى فكرته وهدفه”.
مَن نُجادل؟
قبل الاجابة على هذا السؤال المحوري، لابد ان نتذكر أن الجدل، حالة انسانية أقرها القرآن الكريم في غير آية كريمة، {وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}، سورة الكهف/54، كما جاءت لفظة الجدل في آيات عدة كسلوك تبناه الانسان لمواجهة ما لا يرتضيه لنفسه حتى وإن كان الحق المبين، {أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ}، سورة غافر/69، وهذا ما جعل الامام الشيرازي ينطلق لتقويم هذه الحالة وتوجيهها نحو البناء لا الهدم، من الآية الكريمة التي صدرنا بها المقال.
إن من يمارسون الجدل في الوقت الحاضر، ليسوا من أشباه الخوارج الذي جادلوا أمير المؤمنين، عليه السلام، في مسألة الحكم ثم كفروه، ولا هم على شاكلة الزنادقة ممن مرقوا عن الدين وواجهوا الامام الصادق، عليه السلام، بكل عنف وعناد، انما هم -على الاغلب- من جيل الشباب الطامح للوصول الى الحقيقة، والتخلص من وطأة التناقض الحاصل بين النظرية والتطبيق في النظام الاسلامي الذي نؤمن ويؤمن به الجميع انه الأنجح والأكمل في العالم، انما يمارسون هذا النمط من النقاش للدفاع عن موقفهم السلبي والتشاؤمي إزاء ما يعيشونه من انتكاسات وتناقضات.
والحل الذي يراه الامام الشيرازي لمن يتشبث بهذا النمط من النقاش هو الصدمة بالمنطق، إن جاز التعبير، ويطلق عليها في كتابه بأسلوب الهجوم في النقاش بدل الدفاع، وهذا الهجوم “لا نقصد به ما ينافي الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، بل هجوماً منطقياً خاضعاً لإحدى المراتب الثلاثة المذكورة في الآية الكريمة، أي هجوماً بحكمة، أو هجوماً بموعظة حسنة، أو هجوماً جدلياً بالتي هي أحسن”.
ويورد سماحته أمثلة عدّة في كتابه لطريقة ذكية في الجدال مع شباب اعتراهم التشكيك والإنكار فنجح معهم اسلوب الصدم بالمنطق والعقل الذي يتوقفون دونه، كما جرى في الجدال الذي دار مع احد الشباب الملحدين، الذي كان رافضاً للحوار مع الامام الشيرازي لانه يستدل بالقرآن والروايات، وأكد له ذلك في بداية اللقاء، ثم راح ذلك الشاب يستند لدعم رؤيته وفكرته على افكار لينين وستالين، فأوقفه الامام الشيرازي، وقال له: إنك لا تعترف بالقرآن ولا بالروايات، وانا وعدتك بأن لا استند عليهما لإثبات حقانية عقيدتي، بينما تدعوني لأن أقبل باستدلالك استناداً الى اشخاص لا أؤمن بهم، فتوقف عن الجدال وتحول من الهجوم الى الدفاع، وبعد حوار ساخن وطويل، انسحب ذلك الشاب، ولم يأت ثانية، رغم وعده بذلك، واعرب لصديق له بأن ما سمعه من الامام الراحل لم يسمعه من قبل.
لفظة “أحسن” في الآية الكريمة تدل على مرتبة عليا طالب به القرآن الكريم لمواجهة التشكيك والتجديف في العقيدة، حتى نصل الى النتيجة المرجوة وهي إزالة جميع الشبهات والالتباسات عن الاذهان
إن لفظة “أحسن” في الآية الكريمة تدل على مرتبة عليا طالب به القرآن الكريم لمواجهة التشكيك والتجديف في العقيدة، حتى نصل الى النتيجة المرجوة وهي إزالة جميع الشبهات والالتباسات عن الاذهان وتنقية النفوس، وحتى نعرف كيف يكون الجدال بالتي هي أحسن يبين سماحة الامام الشيرازي كيف يكون الجدال بالقبيح من القول: “يلزم على الشخص المجادل حتى إذا كان على الحق، أن يحترز عن سوء التعبير والإزراء بالخصم وبما يقدّسه من المعتقدات، وأن لا يجرح مشاعره، ويبتعد عن السبّ والشتم، وأي جهالة أخرى، فإنه من الجدال القبيح، وإن كان لإثبات الحق، لأن ذلك من إحياء للحق بإحياء الباطل وهذا مرفوض، لأنه بالتالي إماتة للحق؛ لأنّ الحق لا يُحييه الباطل، بل الحق يَحيَى بإحيائه وباتباع الأساليب الحقة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وليس الحَسَن فحسب”.
ولابد من القول قبل الختام؛ بأن الآية الكريمة التي تأمرنا بما هو أحسن في جدال الكافرين والمعاندين والنواصب، بيد ان الازمة الفكرية والثقافية في الساحة الاسلامية بلغت من الشدّة أن تحولت شريحة من المجتمع الى ما يشبه المرآة العاكسة للتكفير والتجديف في العقيدة والدين الموجود عن الاعداء الحقيقيين خارج كيان الامة، بل وممن لا يقوون على الاقتراب من الساحة ليكونوا وجهاً لوجه في مناظرات جدلية حول العقيدة خشية الهزيمة أمام الحق.
ولذا نسمع اليوم من أبناء الجيل الجديد رغبته بأن يكون “شيطان سعيد بدلاً من أن يكون ملاك حزين”! فهذا يبحث عن السعادة، لكنه ظل الطريق، كما ظل الخوارج، وانطبق عليهم قول الامام علي: “كلمة حق يُراد بها باطل”.
فاذا كانت ثمة اسباب موضوعية وراء تحول شريحة في المجتمع الى صنف المجادلين والمعاندين، بحيث لا تنفع معهم “الحكمة والموعظة الحسنة”، فهذا لا يعني بأي حال من والاحوال وضع هؤلاء في خانة الاعداء الخطرين على الأمة، انما يتطلب الأمر بذل المزيد من الجهود لاضاءة الطريق امامهم وانقاذهم مما هم عليه وإعادتهم الى جادة الصواب بما ينفعهم هم انفسهم بالدرجة الاولى، ثم يفيدون بذلك ابناء مجتمعهم والامة جمعاء.
ظهرت المقالة الجدال الأحسن و طريق الوصول الى الحقيقة أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ظهرت المقالة الإيمان بالله وفق مقاسات خاصة! أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>تعدد الآلهة سبب للإنسان مشاكل جمّة ليس أقلها اكتشاف خطل التصور والاعتقاد بمرور الزمن، وتحمل هذا الانسان وزر من روّج لعبادة الشمس، او البقر، أو الحجر عندما تبين عجزها جميعاً في حماية او تحقيق ما يريده في الحياة، وذلك بدلالة العقل والفطرة السليمة.
ومن أجل قاعدة رصينة وموحدة للإيمان أسس الله –تعالى- مبدأ الحق لتكون محوراً للإيمان يدور حيثما دار ضمن علاقة عضوية لا تنفصم ابداً، إنما يحتاج الأمر الى تطويع نفسي أولاً؛ ثم تحكيم العقل ثانياً، ثم توسيع مديات الرؤية في الحياة، وهو ما بلغه انسان القرن السادس الميلادي بمستويات جيدة عند ظهور نبي الرحمة وخاتم الأنبياء والمرسلين؛ محمد، صلى الله عليه وآله وسلم.
اختبار أمام القاعدة غير المرئية
ولأن الحق هو غيب بالأساس، وليس عبارة عن قوانين واضحة ملزمة بشكل ملموس كما هي قوانين المرور والسفر والعمل وغيرها، يستفيد منها الانسان الى حدٍ ما، فان الانسان منذ البداية واجه صعوبة في الإيمان بها والتسليم لها لأنها تمثل منظومة قوانين غير ملموسة في واقع حياته، رغم تجسيدها لكل ما هو صحيح وصواب وتقبله الفطرة السليمة، مثل؛ الصدق، والعدل، والحرية، والكرامة الإنسانية، الى جانب حقائق في الواقع الخارجي لحياة الانسان مثل؛ الرسالات السماوية، وكلام الله المجيد، والموت، والمعاد، والحساب يوم القيامة، والجنة والنار.
وبما أنها المبدأ والقاعدة المشتملة على كل المفاهيم والقيم الإيجابية، في مقابل الباطل ومنظومته السلبية، فان الله –تعالى- جعلها محوراً للإيمان به، والمسلك الوحيد الى رضوانه، لذا نقرأ في الآيات الكريمة تأكيدات متوافرة على أنه –تعالى- خلق السماوات والأرض بالحق، وكل ما يصدر منه فهو حق مطلق، {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}. سورة الأنعام- الآية:73
فالايمان بالله والتسليم له يعني التسليم بمنظومة الحق كاملة دون نقصان، أي أن يكون الايمان بكل مظاهر الحق التي بينها الله –تعالى- في كتابه المجيد، لا أن يكون الإيمان بالنبي دون الإمام والوصي من بعده، او أؤمن بالصدق والأمانة، ولا أؤمن بكرامة الانسان. أو أؤمن بالجنة والنعيم وأنسى العقاب والعذاب، وهذا يدعونا الى السعي للوصول الى إيمان متكامل بهذه المنظومة الإلهية التي تُعد –حقاً- إحدى مظاهر الخير واللطف الإلهي للبشر لتنظيم حياتهم بشكل يحقق لهم السعادة والرخاء.
إن النظرة الضيقة والمادية السطحية تقف دائماً وراء تكبد الانسان خسائر فادحة في حياته، على الصعيدين؛ المادي والمعنوي، بينما يرجو له الله –تعالى- السعادة في الدنيا والنعيم الأبدي في الآخرة في جنان الخلد
والآية الكريمة من سورة يونس تعطينا الخيار في طريق الإيمان: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}، وفي مؤلفه القيم؛ “التشريع الإسلامي- ج4 يبين سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، ضرورة “أن نسعى من اجل ان نهتدي الى الحق، فمن اهتدى الى الحق فانما اهتدى لمنفعة نفسه، وحقق طموحاته وتطلعاته، ومن ضلّ فانما ضلّ على نفسه، فمن المسؤوليات التي نستوحيها من هذه الاية والتي تتصل بالحق هي: مسؤولية الاهتداء اليه، والتعرف عليه والوصول اليه”.
الانسان يخسّر نفسه!
كيف يكون هذا؟!
إن النظرة الضيقة والمادية السطحية تقف دائماً وراء تكبد الانسان خسائر فادحة في حياته، على الصعيدين؛ المادي والمعنوي، بينما يرجو له الله –تعالى- السعادة في الدنيا والنعيم الأبدي في الآخرة في جنان الخلد، وهذه كانت قاتلة المشركين والكافرين بالله وبقيم الحق لأنها تدعوهم الى ما هو خارج ذواتهم وأنانياتهم، بينما الشرك والكفر أمره سهل يسير كونه يدعو صاحبه الى التقوقع داخل شرنقة الذات وعدم تجشم عناء البحث عن الحقائق في هذه الحياة، وهذه الحالة يسميها القرآن الكريم “الهوى”، وطالما حذرنا منها في آيات عدّة، ومن سماتها؛ تبرير أي خطأ او جريمة او انحراف في نفس الانسان حتى لا يشعر بوخز الضمير وتنبيه الفطرة.
الآية الكريمة من سورة المؤمنون صريحة جداً في تحذيرها من مغبة تغليب الهوى على العقل والفطرة والتنكّر لقيم الحق مقابل الاستجابة لقيم الباطل بأشكال مختلفة: {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}، وما تزال المعضلة قائمة عند من يتصور أنه مع الحق الذي صنعه بنفسه، لا النظام الذي وضعه الله –تعالى- للبشر وللكائنات والوجود كله، ولا يثنيه حجم الويلات والكوارث عن ميوله الى الهوى والرغبات النفسية الزائلة.
ومن أجل إضفاء شيء من المصداقية على المنهج الشخصاني للإنسان نراه يتعكّز على وسائل ذهنية مثل؛ التحليل، والظن، والتصور، والقياس، علّه يقنع نفسه بأنه على حق وعلى صواب، والقرآن الكريم يحذرنا ثانية من مغبة الانزلاق في “الوساوس” القادمة من الشيطان وتستهدف النفس والقلب فتجعل صاحبها يرى الحق باطلاً والباطل حقّاً، ويرى المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، وهو ما جاء من توصيات وإرشادات الرسول الأكرم للمسلمين لاختيار الطريق المستقيم في حياتهم.
ولكن هذه المحاولات، إن سادت لفترة معينة، فان المستقبل والعاقبة للتقوى ولقيم الحق، لأن الله –تعالى- حسم الأمر من البداية بأن لا كذب ولا خطأ في الحق، وكل ما يدعو اليه الله هو صدق وعدل وصواب وإن لم يقتنع به البعض كما حصل في مسألة خوض النبي الأكرم لأول مواجهة عسكرية مع قوى الشرك في غزوة بدر، فقد كان بعض المسلمين يحملون تصوراً و رؤية ضيقة دفعتهم لإعطاء الرأي المخالف لخوض المواجهة، فجاءت الآية الكريمة من سورة الأنفال: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}، وفي تفسير هذه الآية يقول سماحة المرجع المدرسي في “من هدى القرآن”: “إن فريقاً من المؤمنين كانوا كارهين للخروج للحرب، ويجادلون في جدوى الخروج، حتى تبين لهم صدق الرسالة وسلامة أوامر الرسول، و وعدهم الله ان تكون لهم إحدى الطائفتين؛ أما القافلة التجارية، وإما الجنود المسلحون، ومن الطبيعي أن يكون المسلمون يفضلون القافلة التجارية، بينما الله كان قد قضى لهم بمواجهة الجيش المعادي لأن الله يريد ان تحقيق واقع الرسالة الجديد وليس فقط حصول المسلمين على حطام الدنيا”. وعلى طول الخط؛ كان المضي في طريق الحق؛ إيماناً وتسسليماً وعملاً صادقاً، هو المؤدي الى الانتصار والنجاح والتقدم في الحياة، بينما المضي في الطريق الذي يرسمه الانسان لنفسه والذي يعبر عنه في سورة الأنفال، وفي تكملة الآية الآنفة الذكر: {وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}، هو الذي يؤخر النصر والفرج وحل المعضلات في الأصعدة كافة، فضلاً عن احتمالات الخسارة عندما تتحول هذه الرؤية الى منهج سياسي واقتصادي يدفع ثمن اخطاءه الناس أجمعين.
ظهرت المقالة الإيمان بالله وفق مقاسات خاصة! أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ظهرت المقالة بناء القيادة في منهج الرسالة أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>وقدّم رسول الله، صلى الله عليه وآله، في سيرته الشريفة نموذجًا متكاملًا للقيادة، فلم تكن قيادته قائمة على القوة وحدها، بل جمعت بين الرحمة والحزم، وبين العلم والعمل، وبين العبادة والجهاد، وبين التخطيط والمبادرة.
ونحن إذ نذكر رسول الله، صلى الله عليه وآله، في يوم شهادته، فإننا بحاجة إلى التمعن أكثر في سيرته والاستفادة من علمه ونهجه، وحيث لا نستطيع أن نحيط ببحر علمه، فلابد أن نركز البحث على بصيرة من بصائر منهجه الذي خطه للأمة ألا وهي مسألة القيادة، وصفات القائد الحق، وأفضل ما نلقي الضوء عليه، بما يخص هذه المسألة هو تربية رسول الله، صلى الله عليه وآله، لأمير المؤمنين، عليه السلام، وبناء القيادة الرسالية، ومن هنا تبرز شخصيته بوصفها من أبرز النماذج التي تجسدت فيها الصفات القيادية التي أرساها رسول الله، صلى الله عليه وآله.
فقد عاش أمير المؤمنين، عليه السلام، قريبًا من رسول الله منذ صغره، وتربى في مدرسته، وكان من أوائل المؤمنين به، وشهد مراحل الدعوة كلها، وحمل معه أعباء الرسالة في أصعب الظروف. ولذلك لم يكن اختيار الإمام علي للقيام بأدوار القيادة في حياة النبي، صلى الله عليه وآله، أمرًا عارضًا، بل كان نتيجة طبيعية لما امتلكه من مؤهلات علمية وروحية وأخلاقية وقيادية.
ومن خلال دراسة شخصية أمير المؤمنين، عليه السلام، يمكن اكتشاف مجموعة من الصفات التي تجعل القيادة في المنهج النبوي قيادةً قائمة على الكفاءة والاستحقاق، لا على الرغبة في السلطة أو التنافس عليها.
أولًا: العلم والبصيرة
من أهم صفات القائد في المنهج الإسلامي؛ العلم، لأن القيادة بغير علم قد تتحول إلى فوضى، والقرار بغير بصيرة قد يؤدي إلى ضياع الأمة.
وقد اشتهر أمير المؤمنين، عليه السلام، بسعة العلم وعمق الفقه ومعرفة كتاب الله تعالى وأحكام الدين، حتى أصبحت عبارات مثل: “أَعْلَمُكُمْ عَلِيٌّ”، و: “أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ” الواردة على لسان النبي، صلى الله عليه وآله، في حق الإمام علي، عليه السلام، من العبارات المشهورة في التراث الإسلامي في بيان تميزه العلمي والقضائي.
وقد وردت روايات في هذا المعنى، منها ما روي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: “أَعْلَمُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ”.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في القيادة؛ القائد الحقيقي لا يقود الناس بما يملك من سلطة، وإنما بما يملك من بصيرة.
وقد كان علي، عليه السلام، من أكثر أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وآله، التصاقًا به، فأخذ عنه العلم، وشهد التنزيل، وعرف أسباب النزول، وعاش مع النبي في مكة والمدينة، وشهد الأحداث الكبرى في تاريخ الرسالة، ولهذا لم يكن علم الإمام علي، عليه السلام، علمًا نظريًا منفصلًا عن الواقع، بل كان علمًا يتحول إلى موقف، وحكم، وعدل، وجهاد، وعبادة.
ثانيًا: العلم بكتاب الله وتفسيره والعمل به.
إذا كان العلم شرطًا أساسيًا في القيادة، فإن أعظم العلوم التي يحتاج إليها قائد الأمة هو العلم بكتاب الله تعالى، وقد كان أمير المؤمنين، عليه السلام، من أبرز من عُرف بالعلم بالقرآن وتفسيره وتأويله. قال تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}، سورة الرعد، الآية: 43
وقد وردت في تفسير هذه الآية روايات نسبت المراد بـ{من عنده علم الكتاب} إلى أمير المؤمنين علي، عليه السلام، ومن المصادر التي روت ذلك؛ شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، حيث أورد روايات في تفسير الآية بعلي، عليه السلام.
والميزة الأهم أن عليًا، عليه السلام لم يكن حافظًا للقرآن فحسب، وإنما كان القرآن حاضرًا في شخصيته ومواقفه، فالقرآن عنده ليس كتابًا يُتلى في المحاريب فحسب، وإنما منهج حياة، وميزان للحكم، ومصدر للعدل، ومعيار للمواقف.
ومن هنا يمكن القول إن القيادة القرآنية التي يمثلها أمير المؤمنين، عليه السلام، تقوم على ثلاثة مستويات:
الأول: معرفة القرآن.
الثاني: فهم القرآن.
الثالث: العمل بالقرآن.
وهذا هو الفارق بين العالم الذي يمتلك المعلومات، والقائد الذي يحوّل العلم إلى مشروع حياة.
ثالثًا: القضاء والعدل.
لا يمكن أن تكون هناك قيادة إسلامية حقيقية من دون عدالة، فالعدل أساس الحكم، وقد جعل القرآن الكريم إقامة العدل غايةً أساسية من غايات الرسالات، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}. وكان أمير المؤمنين، عليه السلام، نموذجًا فريدًا في إقامة العدل، فالعدالة عنده لم تكن شعارًا سياسيًا، وإنما كانت مبدأً لا يتغير بتغير الأشخاص، ولهذا ارتبط اسمه بالقضاء، واشتهر في التراث الإسلامي بكونه من أعلم الصحابة بالقضاء.
وإذا كان القائد يستطيع أن يحكم بالقوة، فإن القائد العادل هو الذي يستطيع أن يحكم بالحق حتى عندما يكون الحق على خلاف مصلحته أو مصلحة أقرب الناس إليه، وهذه إحدى أعظم صفات القيادة في مدرسة النبوة، فالحاكم ليس مالكًا للأمة، وإنما هو خادم لها ومسؤول عنها أمام الله تعالى.
رابعًا: الشجاعة والثبات.
وهي من الصفات التي لا يمكن فصلها عن القيادة الشجاعة، ولكن الشجاعة في المنهج الإسلامي ليست تهورًا، ولا حبًا للمواجهة، وإنما هي الثبات عندما يتطلب الحق موقفًا شجاعًا، وقد كان علياً، عليه السلام، من أبرز فرسان الإسلام، وبرزت شجاعته في بدر وأحد والخندق وخيبر وغيرها من المواقف، ومن أشهر ذلك موقفه في خيبر، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ”، وهنا تظهر دلالة مهمة، أن النبي، صلى الله عليه وآله، لم يقدم عليًا على أساس قوته البدنية فقط، وإنما قدّم الشجاعة مقرونة بالإيمان والمحبة الإلهية.
خامسًا: المبادرة وتحمل المسؤولية
من أهم الصفات القيادية أن يكون الإنسان مبادرًا، لا ينتظر دائمًا أن تأتيه الأوامر، ولا يتراجع عندما تكون المسؤولية ثقيلة، وقد كان علياً، عليه السلام، حاضرًا في المواقف الصعبة منذ بداية الدعوة.
ومن أبرز صور ذلك ما رواه عبد الله بن العباس، عن الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، في واقعة الدار عندما دعا النبي الأكرم أعمامه ورجالات بني هاشم امتثالاً للأمر الإلهي: {وأنذر عشيرتك الأقربين}، (سورة الشعراء: الآية 214)، حيث دعاهم الى مأدبة تكلم فيها قائلاً: يا بني عبد المطلب! إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي، وخليفتي فيكم؟ فكانت المبادرة السريعة من أمير المؤمنين بالاستجابة لهذه الدعوة، حينها قال رسول الله: إن هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.
وكذلك موقفه في ليلة الهجرة، عندما بات في فراش رسول الله، صلى الله عليه وآله، في موقف يتجلى فيه الاستعداد لتحمل الخطر من أجل حماية رسول الله، صلى الله عليه وآله، واستمرار الرسالة.
سادسًا: الجمع بين العلم والعمل.
من أعظم صفات القيادة أن لا يكون هناك انفصال بين العلم والسلوك، فقد نجد عالمًا كثير العلم ولكنه ضعيف الإرادة، أو شجاعًا ولكنه قليل البصيرة، أو صاحب سلطة ولكنه يفتقر إلى العدالة، أما شخصية أمير المؤمنين، عليه السلام، فقد اجتمع فيها ما تفرق في غيره؛ العلم مع العبادة، والشجاعة مع الرحمة، والقوة مع التواضع، والحزم مع العدل، والقيادة مع الزهد، والسلطة مع المسؤولية.
ولهذا فإن دراسة الإمام علي، عليه السلام، بوصفه نموذجًا قياديًا لا تعني دراسة صفاته الفردية فقط، وإنما دراسة النموذج الذي أراد رسول الله، صلى الله عليه وآله، أن يقدمه للأمة في شخصية القائد المسلم.
سابعًا: القيادة مسؤولية لا امتياز.
من أجمل ما يظهر في سيرة أمير المؤمنين، عليه السلام، أنه لم يتعامل مع الحكم باعتباره غنيمة، فعندما تولى الخلافة لم يجعل السلطة وسيلة للانتقام، ولا المال وسيلة لاسترضاء الناس، ولا الحكم طريقًا لتقديم الأقارب والأصدقاء، بل كان يرى أن الحاكم مسؤول عن إقامة الحق.
ومن هنا يمكن فهم كلماته المشهورة في وصف الدنيا والسلطة، عندما كان يبيّن أن قيمة الحكم عنده لا تساوي شيئًا إذا لم يكن وسيلة لإقامة حق أو دفع باطل.
منهج الرسول لصنع القائد
إن منهج رسول الله، صلى الله عليه وآله، في بناء القيادة لم يكن قائمًا على القوة وحدها، ولا على النسب، ولا على الشهرة، وإنما كان قائمًا على صناعة الإنسان الذي يستطيع أن يحمل رسالة الله ويصونها ويقود الناس على أساسها.
ومن خلال شخصية أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، عليه السلام نرى اجتماع أهم صفات القيادة التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي: العلم، والفقه، والبصيرة، والعدل، والشجاعة، والمبادرة، والتقوى، والزهد، وتحمل المسؤولية.
لقد كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يبني أمة، وكان من مقتضى بناء الأمة أن يبيّن لها صفات القيادة التي تحفظ مسارها بعد رحيله.
وهذه هي القيادة التي أرادها رسول الله، صلى الله عليه وآله: قيادة تحمل رسالة، لا سلطة تبحث عن رسالة؛ قيادة تخدم الأمة، لا أمة تخدم القائد؛ وقيادة يكون ميزانها الحق، لا ميزانها القوة.
وإذا كانت الأمة اليوم تبحث عن نموذج للقيادة الصالحة، فإن دراسة سيرة رسول الله، صلى الله عليه وآله، وسيرة و شخصية أمير المؤمنين، عليه السلام، ليست مجرد استذكار للتاريخ، وإنما هي عودة إلى مدرسة متكاملة في بناء القائد والإنسان والمجتمع.
ونحن اليوم إذا أردنا الخلاص من مشاكلنا، لنهنأ بالعيش في مجتمع فاضل، وأمة صالحة داخل بلد يسوده العدل والكرامة، نحتاج إلى اختيار قائد بهذه الصفات نتبعه ونسلم له زمام الأمور ليقودنا إلى بر الأمان، وإن قائداً بهذه الصفات لا يكون إلا من الأئمة المعصومين، عليهم السلام، أو من ارتبط بهم، وعمل بمنهجهم، وسار على خطهم وهم الفقهاء العدول الذين هم نواب الإمام المعصوم وهم الباب الذي يوصلنا إليه، فمسوؤلية الأمة اليوم أن تبحث عن مرجع، وعالم عامل عادل، و ولي فقيه تتبعه ليقودها إلى ما فيه خير وصلاح على سيرة أمير المؤمنين، عليه السلام، ونهج الرسول الأكرم محمد، صلى الله عليه وآله.
ظهرت المقالة بناء القيادة في منهج الرسالة أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ظهرت المقالة كيف تبنى الدول؟ دراسة في تجربة الرسول لبناء مجتمع نموذجي أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>المعلم الاول/ الايمان: فالدافع الحقيقي للنظام النبوي الى الأمام هو الايمان المنبثق من قلوب الناس وعقولهم والذي يأخذ بأيديهم وكل كيانهم نحو طريق الصواب، فالمعلم الاول يتمثل في نفخ روح الايمان والعقيدة وهذا ما بدأه النبي في مكة ورفع رايته في المدينة المنورة.
المعلم الثاني/ العدل والقسط: لا يمكن اقامة حكومة ونظام نموذجي من دون العدل والقسط اللذين يعدان منطلق العمل، وهو اعطاء كل ذي حق حقه من دون أدنى مداهنة.
المعلم الثالث/ العلم والمعرفة: الأساس الذي قامت عليه الحكومة الاسلامية والنظام النبوي هو العلم والمعرفة والوعي واليقظة، وهو القائل: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، فالامة تتحول عن طريق الوعي والمعرفة والقدرة على التشخيص الى قوة فعالة لا منفعلة.
المعلم الرابع/ الصفاء والأخوة: قام النظام النبوي على نبذ الصراعات بين المسلمين التي كانت تتغذى بدوافع داخلية: كالدوافع الشخصية والمصلحية والقبلية، او دوافع خارجية: كالعلاقات مع اليهود او غيرهم، اذ حول الاجواء الى اجواء تتسم بالصدق والاخوة والتآلف والحميمية؛ اذ من اول الاعمال التي قام بها النبي (ص) في المدينة المنورة هو ان آخى بين المهاجرين والأنصار وآخى بين نفسه وعلي.
المعلم الخامس/ الصلاح الأخلاقي والسلوكي: فالنبي (ص) كان عمله الأساسي تزكية الناس وتطهيرهم من رذائل الأخلاق وأدرانها، اذ يصفه الله سبحانه وتعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}.[البقرة، 129]، فالتزكية هي عمل اساسي حيث كان النبي يعمل على فرد فرد من أفراد المسلمين بالتربية وبناء الانسان.
المعلم السادس/ الاقتدار والعزة: فالمجتمع والنظام الذي أقامه النبي لا يمكن أن يتسم بالاستكانة أو الارتهان للغير أو طلب الحماية واستجداء الحماية من الآخرين لمواجهة اخوانه، بل يتميزان بعزتهما واقتدارهما، فهما متى ما شخصا موطن صلاحهما سعيا إليه وشقا طريقهما الى الأمام، وفقا لقاعدة: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال/ 60].
المعلم السابع/ العمل والنشاط والتقدم المطرد: فلا مجال للتوقف في النظام النبوي، بل الحركة والعمل والتقدم بنحو منظم، ولا يحدث ان يقول ابناؤه ان كل شيء قد تم، فلنركن الى الدعة والراحة، {فَإِذَا فرَغْتَ فَانصَبْ}. [الشرح: 7]. بهذه الدعائم السبع استطاع النبي ان يُنشئ ذلك النظام النموذجي الذي حول فيه المجتمع من الصفات التي ذكرتها فاطمة الزهراء الى مجتمع يقوم العالم خلال سنوات معدودة فقط.
ظهرت المقالة كيف تبنى الدول؟ دراسة في تجربة الرسول لبناء مجتمع نموذجي أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ظهرت المقالة الرسول الاكرم و السعة الوجودية الأخلاقية أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>لم يستخدم النبي الأكرم المكانة الرفيعة التي لم تكن لأي بشر قبله ولا بعده، لإرضاء نفسه وإنما لإرضاء الآخرين في إطار الرسالة السماوية التي جاهد وضحى من أجلها
“إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم”.
أي انسان اجتماعي يتطلع الى أكبر مساحة من الحضور بين الناس، في عطائه الفكري والمادي والعلمي و ايضاً الاخلاقي، ولذا نجد بعض الناس يشعرون بالفخر عندما يجدون الناس يتزاحمون على عياداتهم الطبية لغرض العلاج، او يتزاحمون على أبوابهم للحصول على المساعدات العينية او المالية، وكذا نجد هذه الحالة النفسية واضحة في اصحاب المواكب الخدمية على طريق زائري الامام الحسين، عليه السلام، وكيف انهم يتسابقون لتقديم انواع الطعام والشراب وسائر الخدمات مهما كلفهم ذلك.
وقد عبّر عن هذه الحالة النفسية، سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي في إحدى محاضراته، بــ “السعة الوجودية” في جانبيها المادي والمعنوي، ففي الجانب المادي لن يكون بوسع الانسان التوسع من اطار وجوده المادي طولاً وعرضاً، ولن يتمكن من أن يركب أكثر من سيارة واحدة في وقت واحد، ولا ينام على اكثر من سرير ويسكن أكثر من دار وهكذا سائر الامور في الحياة، وقد نبه الى هذه الحقيقة؛ القرآن الكريم وهو يذكر الانسان {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً}، (سورة الاسراء، الآية37)، ولكن؛ بإمكان هذا الانسان نفسه التوسع بعيداً جداً في الجانب المعنوي لما له من القدرات والمهارات في تقديم الكثير للآخرين.
وفي أيام الحزن التي نعيشها في ذكرى رحيل نبي الانسانية والرحمة؛ الرسول الأكرم، محمد، صلى الله عليه وآله، نقتطف هذا الجانب من سيرته العطرة عندما جسد “السعة الوجودية” بأروع صورها فتحولت فيما بعد الى منهج مضيء لمن يتطلع الى حضور فاعل ومفيد ومنتج في محيطه الاجتماعي وحتى على صعيد البلد الذي يعيش فيه، وقد أوصانا في هذا المجال “بأنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم”، بمعنى أن ليس بالضرورة امتلاك الجميع للقدرة المالية للانفاق، بينما بإمكان الجميع تنمية مهارات وفنون التعامل مع الآخرين.
في إحدى محاضراته عن شخصية الرسول الأكرم، يقسّم الفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- مجالات الحضور الفاعل في الحياة الى ثلاث ميادين في ضوء سيرة المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله؛ الحياة الشخصية، والحياة الأسرية، والحياة الاجتماعية.
المجال الأول: الحياة الشخصية
كان النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، يعيش وبيده القيادة الدينية والقيادة الدنيوية (الساسية)، فالقيادة الدينية هي الحكم على القلوب، فيما القيادة الدنيوية هي الحكم على الأبدان، واليوم تعني القيادة؛ الزعامة السياسية في البلد، ولمن يصل الى هذه القمة بامكانه اتخاذ القرارات الكبرى والتصرف بالثروة والتحكّم بالقوانين وكل ما يتعلق بحياة الناس، ولكن؛ لن يكون بوسعه التحكّم بقلوب الناس، وقد اجتمعت القيادتان في شخص رسول الله، وهو النبي الخاتم المحترم بين قومه والمهاب بين سائر الاديان والشعوب في العالم، بيد أنه لم يستخدم هذه المكانة الرفيعة التي لم تكن لأي بشر قبله ولا بعده، لإرضاء نفسه وإنما لإرضاء الآخرين في إطار الرسالة السماوية التي جاهد وضحى من أجلها، فالدنيا لم تكن عنده كل شيء، ولا آخر المطاف، ولا هي المساحة التي تقفز فيها الفرص بين حين وآخر ليهرول خلفها الباحثون عن الربح والفائدة.
لقد كان في منتهى العفو والرحمة والزهد والتواضع مع علو الشأن والقدرة، لذا وردت التأكيد على “العفو عند المقدرة” وليس عند الضعف، على أنه يمثل خطوة ريادية متميزة.
وذات مرة جاءت جارية الى النبي، صلى الله عليه وآله، وهي تحمل صاعاً من التمر أهداه رجل من المؤمنين، فجاءت الخادمة ودخلت بيت النبي، وبدأت تبحث في البيت الذي كان عبارة عن غرفة واحدة فقط لكي تجد إناءً أو شيئاً تضع فيه التمر، فلم تجد، فجاءت إلى النبي، وقالت: يا رسول الله؛ لم أجد شيئاً في بيتك أضع فيه التمر! فكنس النبي، الأرض بيده وقال: صُبي التمر في هذا المكان، أي على الأرض، ثم قال: صلى الله عليه وآله وسلم: “لو كانت الدنيا لها قيمة عند الله –تعالى- ما سقى كافراً ولا منافقاً شربة ماء”، وهذا تجسيد الزهد عند المقدرة وليس عند الضعف.
هذه السعة الوجودية- الأخلاقية هي التي خلّدت النبي الاكرم وأبقته حيّاً نابضاً في القلوب، وجعلته يضيء، ليس للمسلمين وحسب، بل وللعالم أجمع
وليس المطلوب قطعاً؛ ان يكون الواحد منّا في بيت مساحته غرفة واحدة، او يضع طعامه على الارض، او لا يمتلك الأواني في بيته، إنما المسألة في الاستعداد الدائم على الاستغناء عن كثير من الامور التي لن تؤثر كثيراً على مجرى حياته الشخصية والعائلية والاجتماعية، بما يمكن وصفها بالكماليات، رغم قدرته على اقتنائها والتمتع بها، من اجل تقليل الارتباط بالحياة المادية الزائلة التي لا يعرف الواحد منّا كيف تتوقف فجأة ودون سابق إنذار ويتوقف معها كل شيء بالنسبة له.
المجال الثاني: الحياة الأسرية
كان بيت النبي الأكرم عبارة عن واحة خضراء فسيحة لا حدّ لها من التسامح والعفو والحلم وسائر المكارم والفضائل، فكل ما نقرأه ونسمعه عن التصرفات التي واجهها النبي من زوجاته، كان يذوب ويتلاشى في هذه الواحة رغم قساوتها وجرأتها، فلم ينقل لنا التاريخ أن النبي واجه الاساءة من بعض زوجاته بالمثل، او عاقبهن نكالاً لما فعلا، كما حصل في حادثة “التظاهر” التي يذكرها القرآن الكريم بالنصّ، ويصطلح عندنا بـ “التآمر” وكان الهدف إزاحة إحدى الزوجات من حياة النبي حسداً، والقضية معروفة ومشهورة، لمن يراجعها في كتب السيرة، وذكرها بالتفصيل الخطباء والعلماء الكرام.
المجال الثالث: الحياة الاجتماعية
كان عند النبي، صلى الله عليه وآله، الكثير من دواعي الترفع على الآخرين؛ فمن من ناحية الأسرة، فهو ينتمي إلى أشرف أسرة في العالم كله، فهي تمتد بجذورها الى الانبياء والمرسلين، ومن ناحية العلم، لا يوجد أعلم منه، ومن ناحية الفضائل الأخلاقية، لا أحد يفوقه في هذا الميدان، ولكن كلما زادت نقاط القوة في نفس النبي الأكرم، كلما ازداد تواضعاً وخضوعاً، ولم يكن يتعامل مع الآخرين من وراء الحجب؛ لنتصفح كتب الروايات نلاحظ الكثير من صور التعامل للرسول الأكرم مع الناس، فقد كان يجلس ليُرقع ثوبه بالإبرة والخيط، وهذا ليس في مكان ظاهر حتى يعده البعض نوعاً من الرياء، وإنما في مكان غير ظاهر، وفي الوقت الذي كان الأفراد المهمُّون يركبون الخيل، كان النبي الاكرم، يركب الحمار تواضعاً؛ وكان يعلف الناضح، أي البعير، فيأخذ العلف بيده المباركة ويأتي به أمام البعير ليأكل؛ ويجيب دعوة المملوك وهو عبدٌ، كما لو أن خادماً قال لشخص ما: أنت اليوم مدعوٌ عندي في بيتي! ويحلب العنز بيده؛ ويُسلّم على الصبيان، وعندما سُئل عن ذلك، قال صلى الله عليه وآله: “…ليكون ذلك سنةً من بعدي”، بل ويكنس البيت بيده حتى يقتدي المؤمنون به إلى يوم القيامة.
هذه السعة الوجودية- الأخلاقية هي التي خلّدت النبي الاكرم وأبقته حيّاً نابضاً في القلوب، وجعلته يضيء، ليس للمسلمين وحسب، بل وللعالم أجمع، والقرآن الكريم هو الذي يؤكد هذه الحقيقة الانسانية؛ {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فالذي يسع الناس بأخلاقه وروحه الشفافة، ليس فقط لن يخسر شيئاً من علمه وفضائله وقدراته، إنما يزداد نضارةً في القلوب والنفوس وتتعزز شخصيته في المجتمع، كانسان فاضل يتميز بالقدرة على مخاطبة الجميع كلٌ حسب مستواه وتوجهه، حتى وإن كان ذلك الشخص بعيداً عن الدين والاخلاق.
إن الضيق في النفس الانسانية هي التي تسبب المشاكل الأسرية والازمات الاجتماعية بل حتى الاقتصادية والسياسية، لان المتشبث بالأنا، يصعب عليه فتح ابواب قلبه على الآخرين والتحاور معهم والتعاطي مع افكارهم وثقافتهم وحاجاتهم، لذا نجد مختلف اشكال العلاقات في حياتنا اليوم تعاني الفشل ثم الانهيار، من علاقة الزوج بزوجته، او علاقة الفرد بسائر افراد المجتمع، وحتى علاقة الحاكم بافراد الشعب بسبب تلك الأنا المقيتة.
وقبل الختام؛ أستذكر آخر لحظات وجود النبي الأكرم بين افراد الامة، حيث كان يعاني الوعكة الصحية، وقد اجتمع عليه جمع غفير، فنادى في الناس أن من كانت له عليه مظلمة قصاصة فليتقدم يقتصّ او يأخذ حقه من النبي الأكرم! فأجهش القوم بالبكاء، ولم يلبثوا إلا أن قام أحدهم مفاجئاً الجميع بأن له قصاصة من الرسول الاكرم، بأنه كان ذات يوم على ناقته فأصاب عصاه بطنه وكان قريباً من النبي، فدعاه النبي بالاقتراب منه ليقتصّ منه، والجميع في ذهول مريع لا يصدقون ما يحصل، فاقترب الرجل، ثم طلب من النبي الكشف عن بطنه، لان بطنه كانت مكشوفة حين تعرض لضربة العصا، فاستجاب له النبي، ولكن! قام الرجل وقبل بطن النبي الاكرم، وقال: اردت من ذلك الوصول اليك يا رسول الله، لأودعك بهذا الشكل وأحظى بتقبيل بطنك، ولا حقّ لي فيما قلت – مضمون القصة-.
لنتصور تعامل كهذا من مسؤول في الدولة او رب أسرة وايضاً سائر افراد المجتمع، كيف تكون حياتنا؟ وهل تظهر امامنا المشاكل والازمات التي نراها اليوم تشدّ الخناق حولنا؟
ظهرت المقالة الرسول الاكرم و السعة الوجودية الأخلاقية أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ظهرت المقالة حادثة المنصور وحاجتنا الى الوعظ الديني أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ردود الفعل إزاء هذا الفعل المشين الصادر من عدد الرجال بمطاردتهم امرأة في الشارع تحت مسمّى “التحرّش الجنسي”، يعيدنا الى كلام قديم – حديث عن دور عوامل رادعة لمثل هكذا تصرفات في الخفاء وفي العلن على حدٍ سواء.
إخوة لنا على التواصل الاجتماعي أكدوا على دورين فاعلين لردع مثل هكذا أفعال؛ القانون والدين، بالنسبة للقانون فهو حاضر في المخافر والمحاكم، بغض النظر عن نسبة التطبيق والمصداقية العملية، يبقى رادع الدين المغيّب، وهذه ليست المرة الأولى التي تنطلق صيحات النجدة نحو الحوزات العلمية لدعوة العلماء والخطباء لتقويم اعوجاج في مسارات المجتمع، فقد سمعت ذات مرة أحد القضاة يتوجه بهذا الطلب بعد تراكم ملفات الطلاق على طاولته بشكل خانق، و يتكرر الأمر في مشهد الفتاة التي ظهرت مؤخراً وهي تهرب من أمام سيارات تطاردها لاسباب لم تُعرف لأحد الآن بشكل دقيق لعدم شكوى قضائية من الفتاة ضد المُطاردين.
انتشار الحدث من الناحية الإعلامية له دوره في تضخيم الأمر كما لو أنه يحصل لأول مرة، بينما هو يتكرر بأشكال مختلفة حتى في المدن المقدسة، ولفتيات يرتدين العباءة، ولم يبادر أحد عبر وسائل التواصل الاجتماعي الى دعوة أهل الدين ولا أهل القانون لنجدة فتيات عفيفات من ظاهرة الفوضى الغرائزية التي تسود العراق حالياً.
ربما يكون التصوير من كاميرا في أعالي البنايات في شارع “التانكي” بمنطقة المنصور فرصة للتذكير بوجود هذه الفوضى، وايضاً؛ التذكير بالدور الإصلاحي المطلوب دائماً لرجالات الحوزة العلمية لتقويم السلوك الفردي والعام في المجتمع للحؤول دون ظهور مشاهد من هذا القبيل.
بلى؛ الناس لا يحبذون كثيراً وجود رجل او حتى امرأة تنصح شخصاً (رجل او امرأة) بإعادة النظر في نوع الملابس المثيرة، او القيام بحركات معينة، وكل ما يثير المحيط الاجتماعي بدعوى “الحرية الشخصية”، بيد أن تجارب الزمن دلّت أن هذا الرفض او الامتعاض لا يصدر من رؤية عقلانية، بقدر ما هي انعكاس لتحقيق رغبات آنية داخل مطعم، او متنزه، او حتى شارع عام، بدليل بسيط جداً؛ أن لو رجلاً نصح فتاة بعدم إظهار مفاتنها أمام الشباب في الشارع، وهي قابلت النصيحة بالامتعاض، ثم على بعد أمتار حاصرها شباب بعيونهم الى تكلم المفاتن ثم بأيديهم لنيل ما يريدون منها، هنا؛ ماذا سيكون موقفها من ذلك الرجل الواقف على مسافة يراقب المشهد؟! ونفس الموقف ينطبق على الشاب المشحون بالطاقة الغريزية، الى جانب الشحن المالي في الجيب، فان عواقب التحرّش ستذكره قطعاً بذاك الرجل الناصح، وربما لسان حاله: لو كان بوسعك تقييد يدي ورجلي أفضل من سنوات السجن وضياع العمر والسمعة مدى الحياة.
إن مفردات؛ النصح والإرشاد والوعظ باتت ثقيلة على الاسماع وبعيدة عن القلوب لاسباب كثيرة لسنا بوارد الخوض فيها، ليس فقط في الشارع، بل حتى في داخل البيوت احياناً! ولكن دخول الساحة بقوة وشجاعة مع وسائل ذكية من شأنها ان تتحول الى مطلب جماهيري عام، فالقضية ليست فعلاً و رد فعل، او موقف بناءً على قاعدة “المنعكس الشرطي”، بقدر ما هي عملية تربوية مستمرة مثل نهرٍ جارٍ يحمل كل عناصر الخير للناس، وحتى استهداف الخطاب، ليس بالضرورة يكون موجهاً لشريحة الشباب، كونهم مصدر الخطأ، كما يتصور البعض، إنما الخطاب يشمل الآباء والأمهات ايضاً ممن لهم الدور التربوي الأساس لتقديم جيل يحمل عفّة اللسان والبصر، ولا ينتهك حقوق وحرمات الآخرين.
وقبل الختام؛ نؤكد أن المهمة ليست سهلة مطلقاً، فالاجواء السائدة في العراق، وجميع البلاد الإسلامية ليست إيجابية إزاء أي حراك ديني وأخلاقي، فالحثّ والترويج للتحلل من الالتزامات والمتبنيات هو سيد الموقف، بيد إن التذكير بالعواقب السيئة ونتائج الاعمال الخاطئة من شأنه إعادة النظر في كثير من السلوكيات والأفكار الموجودة عند الجيل الجديد.
ظهرت المقالة حادثة المنصور وحاجتنا الى الوعظ الديني أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ظهرت المقالة شكراً للغذاء الثقافي خلال زيارة الأربعين أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>وجود المحطات الثقافية من مختلف الجهات والمؤسسات الفاعلة، ضرورة وحاجة جماهيرية على مدار السنة
تسابقت المواكب الخدمية داخل مدينة كربلاء المقدسة، وعلى طول طريق الزائرين لأربعين الامام الحسين، لتقديم مختلف ما يحتاجه الزائر من طعام، وشراب، وسكن، وخدمات طبية واتصالات ونقل، وخدمات لا تُعد مثل سائر الأعوام الماضية، وكلها جهود مشكورة، ونرجو أن تكون منظورة عند الامام الحسين، وعند رسول الله، وامير المؤمنين، والصديقة الزهراء الملكومين بمصاب الحسين في يوم أربعينه.
ومن أبرز الخدمات المميزة التي ربما تستوقف الزائرين، محطات خاصة على طريق المشاة، وفي داخل مدينة كربلاء لا تقدم الطعام والشراب مثل سائر المحطات والمواكب المتراصّة جنباً الى جنب، إنما تقدم غذاءً من نوع آخر؛ إنه الغذاء المعنوي للشباب والأطفال ولعامة الزائرين الكرام، القاصدين زيارة الإمام الحسين، وإحياء قضيته الرسالية.
الغذاء المادي، وأيضاً توفير سبل الراحة للزائرين من شأنه إزالة مشاقّ السفر عن أبدان الزائرين القادمين من مسافات بعيدة، وهذا مطلوب جداً، ومحل تقدير عظيم، إنما الذي يحتاجه الزائر ايضاً؛ الغذاء المعنوي بعد أن يكتسب قسطاً من الراحة والانبساط داخل الخيم والمواكب في مدينة كربلاء ليتعرّف على قضية الامام الحسين، وتحديداً قضية السبايا التي تصادف في ذكراها تقريباً، ذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاد الامام الحسين، وماذا حصل بعد يوم عاشوراء؟ وكيف تعامل المسلمون مع عترة نبيهم وهم يساقون كالأسرى من الأقوام الخارجة عن الإسلام؟ ثم كيف تعامل –بالمقابل- الامام زين العابدين، وعمته زينب العقيلة، وسائر من تبقى من عيال الحسين مع الجهل والتضليل المطبق في الأمة آنذاك؟ والسؤال الأكبر والأهم؛ ما هي الأسباب والعلل المؤدية الى هذا المصير الأسود للأمة؟
إنها أسئلة كبيرة و واسعة الأبعاد، كتب عنها العلماء والباحثون في النهضة الحسينية، وعندما نشهد وجود محطات تقدم المطبوعات الى الزائرين من مؤسسات ثقافية متعددة، ويجلس طلبة العلوم الدينية وعلماء الحوزة العلمية مع الزائرين للحديث عن هذا الموضوع، لهو أمرٌ عظيم، ومبادرة شجاعة بتحمل مسؤولية كبيرة مثل هذه، وخلال أيام معدودة، ربما لا تتجاوز العشرة أيام أو أكثر قليلاً لانطلاق الزائرين المشاة من جنوب العراق الى كربلاء المقدسة.
إنها لمهمة صعبة للغاية ان تختزل الإجابة عن كل تلكم الأسئلة في فترة محدودة، ليس هذا فقط، وإنما يشمل العاملون الرساليون على نشر الثقافة الإسلامية بشكل عام بين الزائرين، وأبرزها ثقافة القرآن الكريم، ونشر قيم الأخلاق، ومعالم الفكر الإسلامي الأصيل.
ولا ننسى أننا في كربلاء المقدسة نستقبل أكثر من زيارة مليونية تأتي في المرتبة الأولى بعد زيارة الأربعين؛ ثم الزيارة الشعبانية، ثم زيارة عرفة، والزيارات الأخرى، بل وحتى زيارات ليالي الجمعة، فهي محط اهتمام عامة المؤمنين والموالين داخل العراق، لا يتخلون عنها طوال السنة، متحدين الظروف المناخية، والاقتصادية، وحتى الخدمية لتجديد العهد والولاء مع الامام الحسين، عليه السلام.
وهذا يجعل وجود المحطات الثقافية من مختلف الجهات والمؤسسات الفاعلة، ضرورة وحاجة جماهيرية على مدار السنة، فالذي يدفع الناس لهذه الزيارات المتتالية، ليست حوافز مادية من الحكومة، او اشخاص او جهات معينة، بقدر ما يجذبهم الإيمان بالله –تعالى- وبالولاية لأهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، وأنهم، عليهم السلام، مصدر الولاء الأول، والملجأ لما يتعرضون له من أزمات وتحديات في عقيدتهم، وفي حياتهم بشكل عام.
الوقت ليس في صالحنا بالمرة، فالمتربصين بالعقيدة والايمان يستخدمون آخر ما يتوصلون اليه من تقنيات الاتصال والنشر، مستخدمين ثقافة الصورة، وإثارة الغرائز، والفضول، وخلق مشاعر الاحتقار واليأس في نفوس الشباب والأطفال
وجود المنشورات والمطبوعات، الى جانب المتحدثين من أهل العلم والمعرفة، له آثار طيبة وسريعة على الزائرين في اتجاهين؛ الأول: في زيادة المعرفة بأهل البيت، تكريس الثقافة الإسلامية لديهم، والاتجاه الثاني؛ وهو الأهم: خلق حالة من الاطمئنان والسكينة في النفوس بأنهم ليسوا وحيدين في الساحة أمام مختلف اشكال التحديات والهجمات الثقافية الناعمة من خلال شبكة الانترنت، وأساليب الحرب النفسية المتعددة التي نلاحظ من خلال التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وجود حالة من اليقظة والاستعداد لمواجهتها وتنفيدها، إنما نحن بحاجة الى المزيد، فالوقت ليس في صالحنا بالمرة، فالمتربصين بالعقيدة والايمان يستخدمون آخر ما يتوصلون اليه من تقنيات الاتصال والنشر، مستخدمين كل وسائل التأثير النفسي، وليس أقلها؛ تكريس ثقافة الصورة، وإثارة الغرائز، والفضول، وخلق مشاعر الدناءة والاحتقار واليأس في نفوس الناس، والشباب والأطفال على وجه الخصوص.
وقبل الختام، نؤكد أن توافد الزائرين على مدينة كربلاء المقدسة لزيارة مرقد الامام الحسين، عليه السلام، على مدار اثنين وخمسين اسبوعاً في السنة، مع إحياء الزيارات المليونية، أمرٌ يشكل تحدٍ معاكس وشجاع من شيعة أمير المؤمنين ضد من يعدون هذا الحراك الجماهيري المتصاعد مع الزمن، تهديداً خطيراً لمخططاتهم وبرامجهم في العراق، وفي سائر البلاد الإسلامية، الامر الذي يستدعي التفكير ألف مرة في الغذاء الثقافي والفكري للزائرين، كما نفكر بالغذاء المادي من طبخ الطعام وتقديم المشروبات الباردة صيفاً والساخنة شتاءً. {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}
ظهرت المقالة شكراً للغذاء الثقافي خلال زيارة الأربعين أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ظهرت المقالة مراكز ثقافية في طريق مشاية الأربعين و الشباب يسأل: مع من نكون؟! أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>المركز مكون من خيمة، مثل باقي الخيام المصفوفة على جانب الشارع لتقديم مختلف اشكال الخدمات للزائرين، وقد تم تقسيمها بشكل محطات تحت عناوين لافتة للانتباه مثل: “ألم وأمل”، وهي تنقل الشباب الزائر من حالة اليأس والإحباط بسبب الاعمال العدوانية الغاشمة من القوى الاستكبارية، الى حالة الأمل وصناعة القوة بالتوكل على الله –تعالى-، ومحطة “القرآن الكريم الميزان المعصوم”، وفي هذه المحطة المعرفية يأتي الشباب المتعطش للثقافة والمعرفة، ليستمع الى أفكار جديدة مستوحاة من كتاب الله المجيد ومن الثقافة الإسلامية الأصيلة.
أحد الشباب طرح سؤالاً ربما يدور في خلد الكثير من أقرانه، عن اختلاف الرأي بين “الحكومة والح شد الشعب ي”، فكانت الإجابة سريعة من القرآن الكريم بأن نكون في محور الحق، ندور معه أينما دار، كما جاءت وصية رسول الله، صلى الله عليه وآله، في حق أمير المؤمنين، عليه السلام، بأن “علي مع الحق والحق مع علي يدور أينما دار”.
وأوضحنا للأخ السائل ما بينه أمير المؤمنين، عليه السلام، لمن سأله قبل اندلاع حرب الجمل، بأن أين أكون، هل أكون معك، وأنت الخليفة، أم مع أبناء صحابة رسول الله و زوجته، أم المؤمنين؟! فكانت إجابته، عليه السلام: “اعرف الحق تعرف أهله”، فالحق لا يُعرف بالرجال، ولا بالظواهر والمظاهر السطحية، إنما بقاعدة ثابتة يبينها القرآن الكريم في عديد آياته الكريمة، وهي قاعدة الحق، ومن السهل جداً معرفة الحق عندما نعرف الباطل وقيمه مثل؛ الظلم، والبغي، والكذب، والخيانة.

ظهرت المقالة مراكز ثقافية في طريق مشاية الأربعين و الشباب يسأل: مع من نكون؟! أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>ظهرت المقالة المرأة في زيارة الأربعين والمسيرة التربوية المستمرة أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>كم نحن بحاجة الى سيدات وفتيات يقتدين بالسيدة زينب، ولو بنسبة معينة، فالعلم والعقل والحرية والعفّة عندما تتوفر يعني أننا نضمن قدراً كبيراً من الأمن والسلامة على كيان مجتمعنا من الاختراق والتضليل
اذا ما أجانب الحقيقة في قراءتي للمشاركة النسوية الملحوظة والفاعلة في مسيرة زيارة الأربعين، أقول: أن خطوات الفتيات الصِغار والنِسْوة الكِبار لا تنتهي عند مرقد الامام الحسين، عليه السلام، وحتى آخر يوم للزيارة المليونية، حيث تكون الذروة في يوم العشرين من صفر الخير، بل وتستمر هذه الخطوات برسم الطريق القويم لهذا الجيل والاجيال القادمة، الى الأيام والأشهر الأخرى من السنة.
هل في هذا الكلام مبالغة، أو مجاملة لأجواء الحماس برجاء المزيد من المشاركة والتفاعل؟
يحق لمن يطرح هذه الأسئلة هذه الأيام التي يعيشها في ظل أجواء وظروف كان يحلم بها أبناء جيل الثمانينات والسبعينات والستينات، بل الأجيال الماضية كلها، فاليوم تظللنا أجواء الحرية والأمان –بنسبة عالية طبعاً- وننعم بالخير الوفير بفضل التحول الاقتصادي بعد حقبة الظلم والتجويع والحرمان قبل عام 2003، ولعل السائل –او السائلين- يشككون في حجم هذه الثقة العالية بالمرأة اليوم، لما نشاهده من اهتمامات عند البعض نحو حب الذات، وحب الظهور، والبحث عن الترفيه وتلبية الرغبات والمزاجات. ولكن! ليعرف الجميع أن هذا الحضور الأنثوي الباهر في هذه السنة وكل سنة في هذه الزيارة المليونية لم يكن لولا تلك الخطوات المزلزلة للأرض للأمهات والجدات في السنوات الماضية ممن حطمن كل السدود والحواجز للوصول الى مركز الاشعاع الحسيني، وايضاً للوصول الى قافلة السيدة زينب في طريقها الى كربلاء، ولتقتبس شيئاً من هداها وتجعله عنصر طاقة ونمو للأبناء والاحفاد الذين نراهم اليوم.
ومن الجدير التذكير بما كشف عنه سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي من حقيقة اجتماعية محورية في العراق، عندما عزا الولاء والحب الموجود في قلوب شباب ورجال اليوم الى تلك النفحات والايحاءات والمبادرات للأمهات والجدات بإقامة المجالس الحسينية، وقراءة الزيارات والأدعية، والحثّ على زيارة الامام الحسين، عليه السلام، في ليالي الجمعة، وسائر المناسبات المأثورة، وفي مقدمتها؛ زيارة الأربعين، ويبين السيد المرجع المدرسي أن الرجال في ثمانينات القرن الماضي كانوا مُبتلين بطاغية ظالم، لغته الدم والموت في سوح المعارك الخاسرة، فكانت النسوة يعوضْن هذا الفراغ التربوي بما أوتين من قوة لإحياء القضية الحسينية.
ما نحتاجه اليوم؛ قراءة للمنهج الزينبي لما يفيدنا في بناء الشخصية الذاتية، وبناء الأسرة والمجتمع من خلال تقصي مراحل حياة هذه السيدة العظيمة والمُلهمة التي أكرمها الله بأن عاصرت جدها المصطفى، وأبيها المرتضى، وأمها الزهراء، وأخويها سبطي رسول الله؛ الحسن والحسين، عليهم جميعاً صلوات الله، لتكون جامعة لكل دروس الصبر على المكاره، واكتساب الفضائل والمكارم، ثم التصدّي الشجاع لكل انحراف يستهدف الرسالة المحمدية.
في كتابها القيّم: القيم التربوية في سيرة السيدة زينب، للدكتورة الراحلة؛ سادسة حمود حلاوي، رحمة الله عليها، تسلط الضوء على “القيم التربوية في هذه الشخصية، مشيرة الى ثلاث علاقات ضمن منظومة قيمية واحدة، تضم كل علاقة مجموعة من القيم التربوية الخاصة بها، ومنها؛ علاقة الانسان مع نفسه، مؤكدة “تطابق أحكام الإسلام وشرائعه مع الفطرة البشرية، فاذا اختلفت علاقة الانسان بنفسه، فانها ستؤثر حتماً في حياته وسعادته وصحته، وكذلك في علاقته مع ربه وعلاقته مع الآخرين”.
وعدّت الدكتورة في مؤلفها تسعة أنواع من العلاقة بين الانسان ونفسه، والخطاب هنا عام ويشمل الرجل والمرأة على حدٍ سواء، فأهل بيت رسول الله، مثلهم كمثل نور الشمس تشرق على جميع أرجاء المعمورة، وليس على بقعة دون أخرى، بيد أن المرأة العراقية بشكل خاص، والمسلمة بشكل عام حَريّة باقتباس شيء من هذا الشعاع لتحقق النجاح في حياتها، ونذكر هذه القيم تباعاً: العلم، والشجاعة، والعقل، والحكمة، والعزّة والكرامة، والحرية، والحياء، والعفة، والمحاسبة.
لا أجدني بحاجة الى تكرار ما يقدمه خطباء المنبر الحسيني الكرام من تبيين شجاعة السيدة زينب في مجالس الطغاة، وكيف شنت عليهم حربها الكلامية الظافرة، وايضاً؛ ما حملته السيدة العقيلة من رجاحة عقل، وحكمة، وعزّ وكرامة، إنما أركز على ثلاث قيم أراها ذات أهمية لنساء اليوم وهي: العلم، والحرية، والعفة.
لمن تريد أن تعرف شيئاً عن حرية الفتاة والمرأة في هذه الحياة لتنظر الى موقف السيدة زينب مع واعتراضها على اشخاص دعوا الامام الحسين بعدم اصطحاب النسوة معه الى الكوفة
الطموح للعلم والتعلّم من أكثر ما يدغدغ مشاعر انسان اليوم بالحاجة الى مستوى معرفي يرفعه بين افراد المجتمع الى تخصصات مختلفة، لتحاشي خطرين محدقين؛ الجهل والفقر، وهو ما تتحسسه الإناث أكثر من الذكور لاسباب لسنا بوارد الخوض فيها، إنما المهم في هذا الحيّز الخاص بذكرى الأربعين والسيدة عقيلة بني هاشم، أن العلم والمعرفة له اتجاهات ومسارات، أكثرها نبلاً وشرفاً ما سلكته السيدة زينب عندما اتخذت من القرآن الكريم والاحاديث عن جدّها المصطفى وأبيها المرتضى وأمها الزهراء، مادة علمية للدراسة والتعليم والنشر، فكانت “تنوب عن أخيها الامام الحسين في حال غيابه فيرجع اليها المسلمون في المسائل الشرعية، ونظراً لسعة معارفها كان الامام زين العابدين يروي عنها، كما روى عنها عبد الله بن جعفر وفاطمة بنت الحسين، ولما كانت في دار أبيها أمير المؤمنين في الكوفة كان لها مجلساً خاصاً تزدحم عليه السيدات وكانت تلقي عليهن محاضرات في تفسير القرآن الكريم”.
أما الحرية، وما أدراكم ما الحرية؟! وكم تبتعد نساء وفتيات اليوم عن هذه القيمة المقدسة، وهُنّ يحسبن أنهن أقرب شيء الى الحرية!
لمن تريد أن تعرف شيئاً عن حرية الفتاة والمرأة في هذه الحياة لتنظر الى موقف السيدة زينب مع اشخاص دعوا الامام الحسين بعدم اصطحاب النسوة معه الى الكوفة، بعد مقولته الشهيرة في سياق بحث ونقاش حول المآلات الحتمية مع أهل الكوفة وأنه “شاء الله أن يراني قتيلاً”، وكان من بين الداعين: عبد الله بن عباس، وكانت السيدة زينب قريبة على الحوار، فبادرته من وراء الستار بالقول: ” “أتشير على سيدنا وشيخنا أن يخلفنا ها هنا ويمضي وحده؟! لا والله، بل نحيا معه ونموت معه، وهل أبقى الزمان لنا غيره”؟
هذا الموقف، من جملة مواقف تكشف لنا الحرية الحقيقية التي ترسمها السيدة زينب لبني جنسها وللعالم كله، بأن الحرية في المواقف الحاسمة باتجاه قضايا حقّ، مثل قضية مواجهة الطغيان والانحراف والظلم أيام الحكم الأموي، وما أكثر النماذج الأموية التي تعيشها الأمة منذ تلك الأيام وحتى اليوم، والى يوم القيامة، فالسيدة زينب صنعت قرارها بنفسها، وبمحض ارادتها، وإلا ربما كانت تظهر مشاعر الخوف من احتمالات الخذلان والخيانة، وتختار الجلوس في دارها بالمدينة، وهي أم و زوجة ولها أسرة آمنة ومستقرة مادياً ومعنوياً. ثم إنها سمعت بكل تأكيد قول أخيها الحسين بأن “شاء الله أني راني قتيلاً”، الى جانب طائفة من الاشعارات والاخبار الواردة بأن الحسين لا يذهب الى الكوفة ليكون حاكماً، وتكون زينب شقيقة الحاكم، وإنما يذهب الى القتل، هو واخوته وابنائه واصحابه، فيما يكون نصيبها ونصيب سائر النسوة والفتيات في ساحة المعركة؛ السبي، بعد حملات الترويع والضرب وانتهاك حرمة رسول الله.
ولنتحدث قليلاً عن العفّة، وهي من أرقى الصفات الأخلاقية المطلوبة لأي انسان وهي “تعني صيانة النفس وترفعها عن جميع الرذائل، وما لا يحلّ من شهوات الجنس والبطن”.
ومع بالغ الأسف تركن البعض من الفتيات والنساء الى الجانب الآخر من العفّة هذه الأيام، وهو؛ التطاول للحصول على كل شيء وبكل ثمن! بتصورهنّ حيازة الذكاء و”الشطارة” والتفوق على الآخرين بامتلاك الوظيفة المرموقة، والسيارة الفارهة، والبيت الفخم مع الأثاث الراقي، والمجوهرات وما شابه من مظاهر الحياة الزائلة.
تنقل الدكتورة سادسة حلاوي عن الشيخ باقر القرشي في كتابه: حياة الامام الحسين، بأن “يزيد بسط نطاع من حرير خالص في مجلسة وصبّ فيه الأموال من ذهب وفضة يريد تقديمها لأهل البيت لتكون ديّة قتلاهم في كربلاء! فردّت عقيلة بني هاشم مستنكرة ومستهجنة فعله بالقول: ما أقلّ حيائك وأصلف وجهك! تقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوضهم”؟!
وسلام الله على السيدة العقيلة في هذه الأيام العصيبة، فكم نحن بحاجة الى سيدات وفتيات يقتدين بها، ولو بنسبة معينة، فالعلم والعقل والحرية والعفّة وغيرها من القيم التربوية والأخلاقية عندما تكون في الفتاة الجامعية، وفي المرأة الموظفة، وفي الأم المربية في البيت، يعني أننا نضمن قدراً كبيراً من الأمن والسلامة على كيان مجتمعنا من الاختراق والتضليل الذي من شأنه الإطاحة بالنظام الاجتماعي ثم السياسي والاقتصادي برمته.
ظهرت المقالة المرأة في زيارة الأربعين والمسيرة التربوية المستمرة أولاً على دار الهدى للثقافة والإعلام.
]]>